بين الكلفة المالية والأمن القومي المستدام ، بغداد تراهن على الاستباق بدلا من الانتظار دروس عام ٢٠١٤م لا تزال حاضرة
بين الكلفة المالية والأمن القومي المستدام ، بغداد تراهن على الاستباق بدلا من الانتظار دروس عام ٢٠١٤م لا تزال حاضرة

الدكتور سيف ضياء
الجمعية العراقية للعلوم السياسية

 
في خضمّ التحولات الجيوسياسية المتسارعة التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، ولا سيما في أعقاب انهيار نظام الأسد في سوريا وما تبعه من فراغ أمني بنيوي، برز ملف سجناء تنظيم "داعsh" الإرهابي بوصفه أحد أخطر الملفات الأمنية العابرة للحدود، والأكثر تعقيداً من حيث الأبعاد القانونية والإنسانية والاستراتيجية؛ وفي هذا السياق، اتخذت الحكومة العراقية قراراً استراتيجياً نوعياً يقضي بنقل آلاف المقاتلين الأجانب المحتجزين في المعسكرات السورية إلى السجون العراقية الخاضعة لسيطرة أمنية مُحكَمة؛ وقد أثار هذا القرار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والأكاديمية والإعلامية؛ إذ انقسمت القراءات بين من يرى فيه خطوة استباقية ضرورية لحماية الأمن القومي العراقي والإقليمي، وبين من يعتبره عبئاً مالياً وأمنياً إضافياً على دولة لا تزال تتعافى من آثار حرب طاحنة ضد الإرهاب؛ ومن هذا المنطلق، يأتي هذا المقال العلمي ليُقدّم تحليلاً موضوعياً متعدد الأبعاد لماهية القرار ودوافعه الاستراتيجية، وتداعياته المحتملة، وموقعه ضمن الخريطة الأمنية الإقليمية والدولية، بهدف تقديم رؤية شاملة تستند إلى المعطيات الميدانية والمقاربات التحليلية المعاصرة في دراسات الأمن والإرهاب وكما يلي:
 أولاً: السياق الاستراتيجي - من الانهيار السوري إلى الفرصة العراقية
منذ انهيار النظام السوري، تحوّلت معسكرات الاحتجاز في شمال شرق البلاد، والتي تضمّ نحو سبعين ألف شخص من بينهم مقاتلون أجانب ونساء وأطفال، إلى ما يشبه القنبلة الموقوتة في قلب منطقة تعاني أصلاً من هشاشة أمنية بنيوية، فالفوضى المتفاقمة، وضعف قدرات "قوات سوريا الديمقراطية" التي تُشرف على هذه المعسكرات، وتزايد محاولات الهروب والتمرّد، حوّلت هذه المواقع إلى مصدر تهديد حقيقي يتجاوز الحدود الإقليمية ليمس الأمن الدولي برمّته؛ في هذه البيئة المضطربة يأتي قرار العراق بنقل هؤلاء المعتقلين إلى أراضيه ليُمثّل استجابة استراتيجية استباقية تهدف إلى منع تكرار سيناريو عام ٢٠١٤، حين استغل تنظيم "داعsh" الارهابي الفراغ الأمني في سوريا والعراق ليُعلن ما أسماه "دولته"، مسيطراً على نحو ثلث الأراضي العراقية، في واحدة من أفدح الكوارث الإنسانية والأمنية التي شهدها التاريخ المعاصر.
ثانيًا: الأبعاد الاستراتيجية للقرار - إعادة تعريف الدور العراقي
1. من موقع التأثّر إلى مركز التأثير الإقليمي:
يُعيد هذا القرار تموضع العراق ضمن المعادلة الإقليمية، منتقلاً من موقع الدولة المُستقبِلة لتداعيات الأزمات المحيطة إلى موقع الفاعل الاستراتيجي القادر على التأثير في المشهد السوري والشرق أوسطي الأوسع؛ فالعراق بما راكمه من خبرة فريدة في مكافحة الإرهاب على مدى عقد من الزمن، وبما يمتلكه من بنية قضائية متخصّصة في محاكمة عناصر التنظيمات الإرهابية، يُصبح شريكاً لا غنى عنه ضمن المنظومة الدولية لمكافحة الإرهاب؛ هذا التحوّل لا يقتصر على البعد الأمني فحسب، بل يمتد إلى البعد السياسي؛ إذ يُبرز العراق بوصفه دولة قادرة على تحمل مسؤوليات إقليمية معقدة، وعلى تقديم حلول عملية لمشكلات عابرة للحدود، بعد سنوات من كونه ساحة للصراعات الإقليمية لا طرفاً فاعلاً فيها.
2. فتح آفاق التعاون الدولي والدبلوماسية الأمنية:
يفتح استقبال العراق لسجناء "داعsh" الأجانب آفاقاً واسعة لتعزيز الشراكات الأمنية والقضائية مع دول أوروبية وآسيوية وأمريكية، إذ يرفض كثير منها استعادة مواطنيها المتورّطين في الأعمال الإرهابية لأسباب (قانونية ،سياسية ،واجتماعية)، ومن خلال تقديم نفسه بوصفه ساحة لتطبيق العدالة وفقاً للمعايير الدولية، يستطيع العراق توظيف هذا الملف على المستويين السياسي والاقتصادي، سواء عبر الحصول على دعم مالي دولي مباشر، أو تعزيز مكانته الدبلوماسية في المحافل الدولية، أو كليهما معاً،هذا التوجه يُحوّل ملفاً أمنياً معقداً إلى أداة دبلوماسية قابلة للتوظيف الاستراتيجي، ويُرسّخ صورة العراق بوصفه دولة مسؤولة، قادرة على الوفاء بالتزاماتها الدولية في مكافحة الإرهاب، وليس مجرد متلق سلبي للمساعدات أو الإملاءات الخارجية.
3. حماية القوة الضاربة الوطنية وإعادة ترتيب الأولويات:
يتيح هذا القرار للقوات الأمنية العراقية الباسلة والحشد الشعبي المقدس التفرغ للمهمّات الاستراتيجية الأكبر والأخطر، ولا سيما في ظل التطورات المتسارعة في سوريا، واحتمالات إعادة تنظيم خلايا "داعsh" الارهابي النائمة، والتوترات الإقليمية المحتملة التي قد تنشأ عن انهيار توازنات قائمة منذ عقود، فبدلاً من تشتيت الجهود في مناطق تقع خارج نطاق السيطرة المباشرة، وتحت إدارات محلية هشة، يُركز العراق طاقاته وموارده على حماية حدوده الوطنية، وتأمين عمقه الاستراتيجي، وضمان عدم انزلاق المنطقة مجدداً إلى دوّامة الفوضى الأمنية التي أنتجت "داعsh"  الارهابي في المقام الأول.
ثالثًا: الاعتراضات المثارة والردّ العلمي عليها
1. الاعتراض الأول: العبء المالي وتكلفة الإيواء:
يرى بعض المعترضين أن إيواء وإطعام آلاف السجناء يشكل عبئاً مالياً إضافياً على ميزانية دولة لا تزال تواجه تحديات اقتصادية وتنموية كبيرة؛ غير أن هذا التحليل يُغفل حقيقة محورية في علم السياسات الأمنية: "الأمن ليس نفقة، بل هو استثمار استراتيجي طويل الأجل"، فمقاتل إرهابي واحد يُفلت من السيطرة قد يتسبّب في عملية تفجير أو هجوم مسلح يُودي بحياة عشرات الأبرياء، ويُكلف الاقتصاد الوطني ملايين الدولارات في أضرار البنية التحتية، والخسائر البشرية، وتراجع الثقة الاستثمارية، فضلاً عن الخسائر المعنوية والسياسية وتآكل الثقة في مؤسسات الدولة؛ إذ إن الدول الذكية، كما تُعلّمنا الدراسات المقارنة في الأمن القومي، تدفع ثمن أمنها مُقدماً ، ولا تنتظر حتى تدفع أثمان كوارثها لاحقاً والتاريخ الحديث مليء بالأمثلة على دول دفعت أضعافاً مضاعفة من ثرواتها وأرواح مواطنيها نتيجة التقصير في الإنفاق الأمني الوقائي.
2. الاعتراض الثاني: المخاطر الأمنية المحتملة.
يخشى بعض المحلّلين من أن يتحول العراق إلى هدف مباشر لعمليات إرهابية تستهدف تحرير السجناء، أو أن يُصبح وجودهم داخل الأراضي العراقية عاملاً جاذباً لخلايا إرهابية جديدة، لكن هذا التخوّف، رغم مشروعيته، يتجاهل واقعاً أمنياً مهماً : العراق يمتلك اليوم بنية أمنية أثبتت كفاءتها العملياتية في دحر التنظيمات الارهابية وتفكيك شبكاتها، وفي السيطرة المحكمة على آلاف المعتقلين الأكثر خطورة؛ إذ إن نقل هؤلاء السجناء إلى منشآت احتجاز محصنة، مجهزة وفق أعلى المعايير الأمنية، وتحت إشراف مباشر من أجهزة متخصّصة، أكثر أماناً بمراحل من إبقائهم في معسكرات مفتوحة تفتقر إلى الحد الأدنى من معايير الأمن والحراسة، كما هو الحال في مناطق شمال شرق سوريا التي تعاني من فراغ سيادي وضعف في البنية التحتية الأمنية.
3. الاعتراض الثالث: القدرة الاستيعابية والبنية التحتية.
يُثار تساؤل حول قدرة السجون العراقية على استيعاب أعداد إضافية كبيرة من المعتقلين، في ظل الضغط القائم على المنشآت الحالية، لكن التجربة العراقية في بناء منشآت احتجاز متخصّصة بعد عام ٢٠١٤، وقدرته على محاكمة عشرات الآلاف من عناصر "داعsh" الارهابي بصورة فعّالة نسبياً ، تدل على وجود قدرات لوجستية وقضائية يمكن توسيعها وتطويرها بدعم دولي؛ وإذا ما تحول الملف إلى ساحة تعاون دولي حقيقي، مدعوم بتمويل من الدول التي ينتمي إليها هؤلاء السجناء، فإن بناء منشآت جديدة وتجهيزها لن يشكل عبئاً على الموازنة العراقية، بل سيُصبح جزءًا من منظومة تعاون أمني واقتصادي متبادل المنافع.
رابعاً : الذاكرة الحيّة – دروس عامي (٢٠٠٦) و(٢٠١٤) لا تُنسى
لا يمكن فهم هذا القرار الاستراتيجي بمعزل عن التجربة التاريخية المريرة التي عاشها العراق؛ ففي عام ٢٠٠٦، أدّى الانفلات الأمني وخروج عناصر إرهابية من السجون إلى موجة عنف طائفي غير مسبوقة، أغرقت البلاد في دوّامة من الدم استمرّت سنوات، وفي عام ٢٠١٤، استغل تنظيم "داعsh" الفوضى وضعف السيطرة على المعتقلين لتنفيذ عمليات واسعة النطاق لإطلاق سراح مئات المقاتلين، ليُعلن بعدها "خلافته" المزعومة على أنقاض مدن عراقية وسورية بأكملها؛ هذه الذاكرة الوطنية الحيّة تفرض على صانع القرار العراقي استحضار الدروس القاسية بكل تفاصيلها: "الانتظار حتى انفجار الأزمة أكثر كلفة بما لا يُقاس من الاستباق والمبادرة"، ومن هنا فإن نقل السجناء اليوم لا يُمثل مغامرة غير محسوبة أو قراراً ارتجالياً، بل هو درس مستفاد من أخطاء الماضي، ورؤية استراتيجية تضع الأمن القومي المستدام في صدارة الأولويات الوطنية، حتى لو استدعى ذلك تحمّل أعباء مالية ولوجستية آنية؛ إذ إن الذاكرة الجماعية للعراقيين، التي لا تزال تحمل جراح التهجير والإبادة والخراب، تمثل رصيداً معرفياً لا يُقدّر بثمن في صناعة القرارات الأمنية، فالشعب الذي دفع ثمن التهاون الأمني بدماء أبنائه وتدمير مدنه، لن يقبل بتكرار السيناريو ذاته تحت أي ذريعة.
خامساً : البعد القانوني والقضائي - من الفراغ إلى العدالة
يُضاف إلى كل ما سبق بُعد قانوني وقضائي بالغ الأهمية، فمعظم هؤلاء السجناء يُحتجزون في ظروف قانونية غامضة، دون محاكمات عادلة أو إجراءات قضائية واضحة، ما يُشكل انتهاكاً صارخاً للمعايير الدولية لحقوق الإنسان، ويفتح الباب أمام منظمات حقوقية ودول للطعن في شرعية احتجازهم؛ أما في العراق فتوجد بنية قضائية متخصّصة، ومحاكم مكافحة إرهاب أثبتت قدرتها على النظر في آلاف القضايا، واستناداً إلى قوانين واضحة ومعترف بها دولياً؛ وبذلك: فإن نقل هؤلاء المعتقلين إلى العراق يعني نقلهم من منطقة رمادية قانونياً إلى منظومة قضائية قادرة على تطبيق العدالة، سواء بإدانة المذنبين أو الإفراج عمّن لا تثبت إدانتهم، وفق الأصول القانونية السليمة، هذا البعد يُعزّز من شرعية القرار دولياً ، ويُبعد عنه تهمة الانتهاك أو التعسّف، ويضع العراق في موقع الدولة التي تحترم سيادة القانون وتطبّق العدالة حتى على أعدائها.
 سادساً : الرؤية المستقبلية - نحو منظومة أمنية إقليمية
إن هذا القرار، إذا ما أُحسن تطبيقه وإدارته، يمكن أن يُشكل نواة لمنظومة أمنية إقليمية أوسع، تقوم على التعاون بين دول الجوار في مواجهة التهديدات العابرة للحدود، فالإرهاب كما أثبتت التجربة، لا يُهزم بجهود وطنية منفردة، بل بتنسيق إقليمي ودولي يقطع الطريق على إعادة إنتاج التنظيمات المتطرّفة، والعراق بحكم موقعه الجغرافي ووزنه السكاني وتجربته الطويلة في مكافحة الإرهاب، مؤهل لأن يكون مركز ثقل في هذه المنظومة، شريطة أن يُحسن استثمار هذا الملف سياسياً ودبلوماسياً، وأن يحافظ على استقلالية قراره بعيداً عن الضغوط الإقليمية والدولية المتضاربة، كما وأن نجاح العراق في إدارة هذا الملف سيُرسخ صورته بوصفه دولة قادرة على تحمّل المسؤوليات الصعبة، وعلى تحويل التحديات إلى فرص، وهو ما سينعكس إيجاباً على علاقاته الدولية وعلى مكانته في المحافل الإقليمية والدولية.
سابعاً : التحديات المحتملة وسُبل المعالجة
رغم كل المبرّرات الاستراتيجية، لا بد من الاعتراف بوجود تحديات حقيقية تواجه تطبيق هذا القرار، وتستدعي معالجات دقيقة ومتابعة مستمرة:
1. التحدي اللوجستي والبنية التحتية:
يتطلّب استقبال آلاف المعتقلين توفير منشآت احتجاز آمنة ومجهزة، وكوادر مدربة، ونظام إداري قادر على التعامل مع هذا الحجم من المهمّات. وهذا يستدعي تخصيص موارد كبيرة وتخطيطاً مسبقاً دقيقاً ؛ وان المعالجة:التفاوض مع الدول والمنظمات الدولية للحصول على دعم مالي وتقني مباشر، وتحويل الملف إلى مشروع دولي مشترك تتحمل تكاليفه أطراف متعددة.
2. التحدي القضائي والعدالة الانتقالية:
سيواجه القضاء العراقي عبئاً كبيراً في النظر في آلاف القضايا، ما يستدعي تعزيز القدرات القضائية وتسريع الإجراءات دون المساس بحقوق الدفاع والمحاكمة العادلة؛ وان المعالجة:تفعيل التعاون القضائي الدولي، واستقدام خبراء وقضاة دوليين للمساعدة في التحقيقات، وتطبيق آليات العدالة الانتقالية بما يضمن الإنصاف والشفافية.
3. التحدي الاجتماعي والنفسي:
وجود آلاف المقاتلين الأجانب داخل العراق قد يُثير مخاوف اجتماعية، لا سيما في المناطق التي عانت من جرائم "داعsh"؛ وان المعالجة:إطلاق حملة إعلامية توعوية شفّافة، تشرح أبعاد القرار وضماناته الأمنية، وتطمئن المواطنين إلى أن السيطرة محكمة وأن الدولة قادرة على حمايتهم.
خاتمة: السيادة تُبنى بالقرارات الصعبة، والأمن يُصنع بالاستباق لا بالانتظار
إن قرار نقل سجناء تنظيم "داعsh" الإرهابي إلى العراق ليس خالياً من التحديات، ولا يخلو من المخاطر المحسوبة، لكنه يعكس نضجاً استراتيجياً في إدارة ملف شديد التعقيد والحساسية، فالسيادة الوطنية الحقيقية لا تُبنى بالمواقف الشعبوية أو بالحسابات الآنية الضيقة، بل بالقدرة على اتخاذ قرارات صعبة وشجاعة تحمي الأمن القومي على المدى البعيد، حتى لو واجهت انتقادات أو تحفّظات في اللحظة الراهنة؛ وفي نهاية المطاف، لا تُقاس الدول بقدرتها على تفادي المشكلات والهروب من المسؤوليات، بل بقدرتها على إدارة الأزمات بحكمة وشجاعة، وعلى تحويل التحديات إلى فرص استراتيجية، وعلى الاستفادة من الملفات المعقّدة لتعزيز مكانتها الإقليمية والدولية؛ والعراق بهذا القرار، يُعلن للعالم أنه لم يعد ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية، ولا ضحية سلبية لفوضى الجوار، بل لاعباً أساسياً ومؤثّراً في رسم مستقبل المنطقة وأمنها، ودولة ذات سيادة قادرة على حماية مواطنيها، وعلى تحمل مسؤولياتها الإقليمية والدولية في مكافحة الإرهاب وبناء الاستقرار، إن الأمن لا يُشترى بالصمت أو الانتظار، بل يُصنع بالاستباق والمبادرة والرؤية الاستراتيجية، وما دروس التاريخ القريب إلا شاهد حيّ على أن ثمن التقاعس أغلى بما لا يُقاس من كلفة المواجهة، والعراق اليوم يختار طريق الاستباق، لا طريق الانتظار حتى فوات الأوان
2026-01-24 09:58 PM970