أُفولُ الإمبراطورية: مضيقُ هرمز واللحظة الأخيرة في عمر الهيمنة الأمريكية
أُفولُ الإمبراطورية: مضيقُ هرمز واللحظة الأخيرة في عمر الهيمنة الأمريكية (قراءة تحليليّة في جيوسياسة الممرات المائية وانهيار الإمبراطوريّات في ضوء نظرية راي داليو)

الدكتور سيف ضياء
عضو الهيئة للادارية للجمعية العراقية للعلوم السياسية


تمهيد: "حين يتكلّم التاريخ بلسان المال"
ثمّة لحظات فارقة في مسيرة الأمم لا تُعلن عن نفسها بقرع طبول الحرب ولا بسقوط العواصم، بل تتسلّل في هيئة تحوُّل صامت في الإدراك الجمعيّ الدوليّ؛ تحوُل يُعيد توزيع موازين الثقة والمال والنفوذ بين الأمم في غضون أشهر؛ إذ (راي داليو ) العقل المدبّر وراء أكبر صندوق تحوّط عرفه التاريخ المالي، والباحث الذي أفنى عقوداً في تفكيك الشفرة الوراثيّة لصعود الإمبراطوريّات واندثارها على امتداد خمسة قرون لا يكتب من برج عاجيّ، بل من قلب صناعة القرار المالي العالمي حيث كلّ كلمة تُترجَم إلى مليارات تتحرّك أو تتجمّد، في أحدث أطروحاته، نحت داليو جملة واحدة تختزل مصير الحقبة الأمريكيّة بأسرها: "فقدان السيطرة على مضيق هرمز قد يكون بالنسبة لأمريكا بمثابة فقدان بريطانيا السيطرة على قناة السويس عام 1956"
هذه ليست استعارة بلاغية يسوقها مُنظِّر من على المنابر، بل هي تشخيص بنيوي صادر عن رجل يقرأ التاريخ بعين المصرفي، ويقرأ الأسواق بعين المؤرّخ، ولكي ندرك ثقل هذا التشخيص، علينا آولاً أن نعود إلى تلك اللحظة الفاصلة التي تحوّلت فيها بريطانيا العظمى في يوم واحد من سيّدة البحار إلى مجرّد ذكرى إمبراطوريّة؛ وكما يلي:
السويس 1956 — التشريح الكامل للّحظة التي ماتت فيها إمبراطوريّة.
1.الهيمنة التي بدت أبديّة: لمئتي عام متصلة، جثمت الإمبراطورية البريطانية على قمة النظام الدولي بثقل بدا وكأنه قانون من قوانين الطبيعة لا يقبل النقض، كان الجنيه الإسترليني هو اللغة التي يتحدث بها المال العالمي، وكانت البحرية الملكية بأساطيلها المنتشرة من (جبل طارق) إلى (هونغ كونغ) هي الضامن الأعلى لحركة التجارة الكونية، وفي قلب هذه المنظومة المُحكمة، كانت تنبض قناة السويس: الشريان الذي يربط أوروبا بثروات آسيا، والممرّ الذي يعبر منه نصف التجارة البحريّة الدوليّة، من يُمسك بالقناة يُمسك بمفاتيح الاقتصاد العالمي وبريطانيا كانت تُمسك بها بإحكام.
2. القرار الذي هزّ العرش: في السادس والعشرين من يوليو 1956، وقف الرئيس المصريّ جمال عبد الناصر أمام حشود في الإسكندريّة وأعلن تأميم شركة قناة السويس، لم يكن القرار مجرّد إجراءٍ اقتصادي سيادي، بل كان تحدّياً وجودياً مباشراً لجوهر الهيمنة البريطانية:(القدرة على التحكم في الممرات التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي)، ردّت لندن بما اعتقدت أنّه الحل البديهي لإمبراطوريّة عظمى: التهديد أوّلاً، ثم القوة العسكرية الساحقة، وبالتنسيق مع فرنسا والكيان الصهي9ني، شنت عملية ثلاثية لاستعادة القناة بالقوة.
3. الانكشاف الكبير: غير أنّ ما جرى بعد ذلك غيّر مجرى التاريخ، لم تأتِ الهزيمة من ميدان المعركة، بل من مصدر لم تتوقعه لندن: واشنطن ، تدخلت الولايات المتحدة الحليف المفترض بحزم غير مسبوق، وضغطت على الجنيه الإسترليني في أسواق الصرف، وهددت بسحب الدعم المالي، وتقاطع هذا مع تحذيرات سوفيتية مُبطنة وقرار أممي صارم، فاضطُرت بريطانيا إلى ابتلاع مرارة الانسحاب أمام أعين العالم بأسره.
4. ما بعد اللحظة: الانهيار المتسلسل: في تلك اللحظة بالتحديد، لم تخسر بريطانيا قناة مائيّة، بل خسرت شيئاً لا يُشترى بالمال ولا يُسترد بالسلاح: (هالة القوّة) حين أدرك العالم أنّ بريطانيا العظمى عاجزة عن فرض إرادتها حتى على دولة نامية في الشرق الأوسط، تتابعت الانهيارات كأحجار الدومينو بلا هوادة، هبط الإسترلينيّ هبوطاً حاداً وفقد مكانته بوصفه عملة الاحتياط الدولية الأولى، فرّت رؤوس الأموال بحثاً عن ملاذات أكثر أماناً ،نأى الحلفاء بأنفسهم واحداً تلو الآخر، واندلعت موجة استقلالات عارمة اجتاحت المستعمرات من أفريقيا إلى جنوب شرق آسيا، في غضون عقدين، تحوّلت الإمبراطوريّة التي كانت الشمس لا تغيب عنها إلى دولة أوروبية متوسطة تبحث عن موطئ قدم في نادي القوى الإقليميّة؛ والدرس المحوري هنا : (لم تُقتل الإمبراطوريّة البريطانيّة في ميدان معركة، بل قُتلت في فضاء الإدراك، إذ إنّ التصورات في عالم الجيوسياسة لا تقل فتكاً عن الصواريخ وربّما تفوقها).
هرمز — حيث يختنق الاقتصاد العالمي
 ١. جغرافيا الاختناق: عند تخوم الخليج ، حيث تتقابل السواحل الإيرانية والعُمانية على مسافة لا تتجاوز أربعة وخمسين كيلومتراً، يقع أخطر عنق زجاجة في المنظومة الاقتصادية الكونية، ما يعبر هذا الممر المائي الضيق يومياً ليس مجرّد ناقلات نفط، بل هو الوقود الذي يُبقي عجلة الحضارة الصناعية دائرة: نحو عشرين بالمئة من إمدادات النفط العالميّة، تشمل الجزء الأعظم من صادرات (المملكة العربية السعودية، والإمارات، والكويت، والعراق).
2. سيناريو الإغلاق: الكابوس الاقتصادي: لتقريب هَول ما يعنيه إغلاق هذا المضيق، تخيل أنّ ثمّة شرياناً واحداً يضخّ الدم إلى جسدٍ عملاق اسمه الاقتصاد العالمي، انسداد هذا الشريان ولو جزئياً  يعني أزمة قلبية كونية فورية: ارتفاع كارثيّ في أسعار الطاقة يُصيب كلّ اقتصاد على وجه الأرض، وشلل في سلاسل الإمداد يمتد من مصافي روتردام إلى مصانع شنغهاي، وأزمة طاقة تُطفئ أنوار أوروبا وتُوقف محركات آسيا، لن تكون كارثة إقليمية، بل زلزالاً اقتصادياً عابراً للقارات لا يُبقي ولا يذر.
 ٣. الحارس عند بوّابة العالم: عند المدخل الشمالي لهذا المضيق، تتمركز إيران بترسانتها الصاروخية المتطورة بما فيها صاروخ "خرّمشهر 4" ذو القدرات المناوِرة الفائقة وأسطولها من الزوارق السريعة وألغامها البحرية، قائلة بلسان الحال والمقال: "لا عبور دون حسابي"،هذا الواقع الجيوسياسي الجديد هو ما يدفع داليو إلى إطلاق تحذيره: إذا لم تستطع أمريكا ضمان حرية الملاحة في هذا الممر، فإن كل شيء "حرفياً كل شيء" سيتغير.
الشفرة الداليوية — القانون الخفيّ الذي يحكم موت الإمبراطوريّات
 ١. خمسة قرون في معادلة واحدة: لم يكتفِ داليو بدراسة التاريخ بوصفه سرداً زمنياً للأحداث، بل فككه إلى أنماط رياضية شبه حتمية، وبعد تحليل مسارات القوى العظمى من البرتغال في القرن السادس عشر إلى أمريكا في القرن الحادي والعشرين، استخلص نمطاً دورياً يتكرر بدقة مُقلقة، يمكن اختزاله في سبع مراحل متتابعة: تبدأ الدورة بقوّة عظمى تُهيمن على النظام المالي العالميّ، فتغدو عملتها لغة التجارة الكونية، وتضمن أساطيلها حرية الممرات البحرية الحيوية، فيتدفق نحوها المال والثقة من أقاصي الأرض، ثمّ يبدأ الترهل الداخلي: تتراكم الديون، ويتآكل الإنتاج، ويتسع التفاوت الاجتماعي، وتنشغل النخب بصراعاتها الداخلية،في هذه اللحظة بالذات، تظهر قوة صاعدة أو قوة إقليمية جريئة تتحدى الهيمنة عند نقطة اختناق تجارية حيوية، تُهدد القوة العظمى وتُلوح بالقوة، والعالم بأسره يحبس أنفاسه مترقباً، فإن نجحت في فرض إرادتها، يُعاد ضبط ساعة الهيمنة لعقود إضافية، وإن عجزت أو أظهرت تردداً يُفسر عجزاً تنطلق سلسلة الانهيارات التي لا تتوقف: (تتبخر الثقة، يفر المال، ينفضّ الحلفاء، يرتفع الذهب بينما تتهاوى العملة، ويبدأ فصل الأفول الذي لا رجعة فيه).
2.الشواهد التاريخية: هكذا بالضبط سقطت لشبونة حين فقدت البرتغال قبضتها على طريق التوابل حول رأس الرجاء الصالح، وهكذا تراجعت أمستردام حين عجزت هولندا عن حماية إمبراطوريتها التجارية البحرية أمام المنافسة البريطانيّة، وهكذا كما رأينا انتهت لندن عند أعتاب السويس، والنمط واحد لم يتغير:(الممرّ المائيّ هو المحكّ، والعجز عن حمايته هو شهادة الوفاة)؛يصوغ داليو هذا القانون في عبارة تستحق أن تُنقش على جدران كل مؤسّسة استراتيجية في العالم: "حين تغرق القوى العظمى في الديون وتُظهر فقدانها السيطرة العسكريّة والمالية، راقب كيف تفقد ثقة حلفائها ودائنيها، وتفقد مكانة عملتها بوصفها عملة احتياطية عالمية، وتضعف أمام الذهب".
التشريح الاستراتيجي للوهن الأمريكي — ثلاث جبهات مكشوفة:
1.الجبهة الماليّة: الدَّين الذي يأكل الإمبراطوريّة من الداخل، ثمانية وثلاثون تريليون دولار،هذا ليس رقماً مجرداً، بل هو الثقب الأسود الذي يبتلع القدرة الاستراتيجية الأمريكية يوماً بعد يوم، فمدفوعات الفوائد وحدها تتجاوز تريليون دولار سنوياً، أي أنّ ربع كلّ دولار تجبيه الخزانة الأمريكيّة من دافعي الضرائب يذهب لخدمة الدَّين لا لبناء القوة، هذا العبء يُقيد حرية المناورة الاستراتيجية تقييداً خانقاً، ويحول كل مغامرة عسكرية طويلة الأمد إلى مقامرة مالية محفوفة بالمخاطر، إذ إن الإمبراطوريّات لا تسقط حين تنفد ذخيرتها، بل حين تنفد ميزانيتها، وأمريكا تقترب من هذه العتبة بسرعة مُقلقة.
2.  الجبهة الإدراكيّة: سجلّ الانسحابات الذي يُلاحق الهيبة، تحمل الذاكرة الجيوسياسية الدولية سجلاً مثقلاً بالانسحابات الأمريكية التي تراكمت على مدى نصف قرن، فيتنام التي أُجبرت فيها أعظم آلة عسكريّة في التاريخ على مغادرة سايغون من فوق أسطح السفارات، والعراق الذي التهم عقدين من الزمن وتريليونات الدولارات ولم يُخلّف سوى فوضى مُستدامة، وأفغانستان التي شهد العالم فيها مشهد الانسحاب المتعجل من مطار كابل ذلك المشهد الذي حُفر في الوعي الاستراتيجي الدولي بوصفه رمزاً بصرياً لتراجع الإرادة الأمريكية، كل انسحاب من هذه الانسحابات أضاف طبقة جديدة إلى تصور عالمي آخذ في الترسّخ: "أمريكا تملك القوّة لكنها لا تملك الصبر، وتبدأ الحروب لكنّها لا تُنهيها".
3. الجبهة الراهنة: مضيق هرمز ولحظة الحقيقة،في خضمّ هذا الوهن المالي والإدراكي، تتصاعد المواجهة مع إيران عند أخطر نقطة في العالم؛ إذ أطلق الرئيس ترامب تحذيراته المباشرة من "عواقب عسكرية غير مسبوقة" إذا لم تزال الألغام في المضيق ويفتح ؛ لكن داليو يكشف عما يدور خلف الأبواب المُغلقة في العواصم الحليفة، إذ يتساءل مسؤولون رفيعون في أحاديثهم الخاصّة بقلق يمزج بين التشكيك والترقب : "ترامب يتحدّث بطلاقة لا تُنكر، لكن حين تحتدم النيران فعلاً ، هل يستطيع القتال والانتصار؟".
هذا السؤال الذي يُهمس به في أروقة الدبلوماسيّة ولا يُجاهر به أحد هو بالضبط مؤشر تآكل الثقة الذي يُنذر به داليو.
اللاتماثل القاتل — حين يتفوّق الصبر على القوّة
1. المبدأ الداليويّ الأخطر: من بين كلّ ما كتبه داليو في تشريحه للصراعات الإمبراطورية، ثمة مبدأ واحد يبرز بوصفه الأشد خطورة والأكثر انطباقاً على المشهد الراهن: "في الحرب، القدرة على تحمّل الألم أهم من القدرة على إلحاقه"؛ هذا المبدأ يقلب المعادلة العسكرية التقليدية رأساً على عقب، ويُحوّل التفوق التكنولوجي والناري من ضمانة للنصر إلى مجرّد عامل بين عوامل عديدة.
2. الميزان الإيرانيّ: الوجود أو العدم، بالنسبة لإيران، المواجهة مع أمريكا ليست خياراً سياسياً قابلاً للمراجعة في استطلاعات الرأي، بل هي مسألة وجودية مطلقة تتقاطع فيها السيادة الوطنية مع الكرامة الحضارية والعقيدة الإيديولوجية، في ثقافة تقدّس الصمود وتجد في المعاناة معنى متعالياً ، لا يتراجع المقاتل بسبب الألم بل يستمد منه وقوداً إضافياً والشعب الإيراني الذي اجتاز ثماني سنوات من الحرب مع العراق ثم عقوداً من العقوبات الخانقة يحمل في ذاكرته الجمعية رصيداً من التحمل يصعب على أي قوة خارجية استنزافه.
3. الميزان الأمريكيّ: سياسة المزاج العامّ، في المقابل، تخضع الإرادة القتالية الأمريكية لحسابات من طبيعة مختلفة جذرياً،فعتبة تحمل المجتمع الأمريكي للألم العسكري محكومة بمؤشرات لا علاقة لها بالشرف أو الوجود: أسعار الوقود عند محطات التعبئة، ومعدلات التضخم التي يشعر بها المستهلك في متجر البقالة، ونتائج انتخابات التجديد النصفيّ، واستطلاعات رأي تتقلب مع كل عنوان إخباري، في نظام ديمقراطي مفتوح، كل نعش يعود من ساحة المعركة يُحسب بدقة في معادلة الربح والخسارة الانتخابية.
4. الرهان الإيرانيّ: الاستنزاف بالوقت، هذا التباين البنيوي الهائل في دوافع القتال وحدود التحمّل هو ما تراهن عليه طهران باستراتيجية واعية ومدروسة، الخطة واضحة في بساطتها ومُرعبة في فعاليتها: تصعيد تدريجي مُحكم يرفع كلفة المواجهة يوماً بعد يوم، أسبوعاً بعد أسبوع، شهراً بعد شهر، إلى أن تصل اللحظة التي يغدو فيها الثمن السياسيّ للاستمرار أعلى من ثمن الانسحاب، إنّه ذاته المنطق الذي أخرج أمريكا من سايغون عام 1975، وأخرجها من كابل عام 2021، ولا يوجد ما يمنع تكراره عند مضيق هرمز.
5. التصعيد الذي ينذر بالعاصفة: وممّا يُضاعف من خطورة المشهد، التصريح الإيراني الأخير الذي جاء فيه بلغة لا تحتمل التأويل:"سيتمّ تدمير جميع المنشآت النفطية والاقتصادية ومنشآت الطاقة في المنطقة التي تنتمي إلى الولايات المتحدة أو تتعاون معها، وتحويلها إلى رماد"؛هذا التهديد  بصرف النظر عن مدى واقعية تنفيذه الكامل يكشف عن استعداد لتحويل أيّ مواجهة مباشرة إلى حريق اقتصادي إقليمي شامل، وهو ما يُضاعف الكلفة الأمريكيّة المحتملة أضعافاً مضاعفة ويجعل حسابات المكسب والخسارة أشد تعقيداً .
مفترق المصير — سيناريوهان وبينهما يُعاد تشكيل العالم:
1. السيناريو الأوّل: الانتصار الأمريكيّ — تجديد عقد الهيمنة:
إذا نجحت الولايات المتحدة في فرض سيطرتها الكاملة على مضيق هرمز وضمان حرية الملاحة فيه بشكل حاسم لا يقبل الطعن، فإنّ ذلك سيُطلق موجة ثقة عالمية في الدولار بوصفه ملاذاً آمناً لا بديل عنه، سيرتفع الطلب على سندات الخزانة الأمريكية، و ستتقارب التحالفات الغربية والآسيوية حول واشنطن بوصفها الضامن الوحيد القادر على حماية مصالح حلفائه، ستترسخ سلطة ترامب داخلياً وخارجياً ، وسيُعاد ضبط ساعة الهيمنة الأمريكية لعقود إضافية باختصار: (سيُؤجل الأفول  وإن لم يُلغ).
2. السيناريو الثاني: العجز الأمريكيّ — لحظة السويس تتكرر:
أما إذا أظهرت أمريكا عجزاً أو تردداً أو انسحبت تحت ضغط الاستنزاف، فسيشهد العالم إعادة تشغيل سيناريو السويس 1956 بنسخة أمريكية أشد كارثية، سينهار الدولار تحت وطأة فقدان الثقة، وتُباع سندات الخزانة في موجات ذعر متتابعة، ويرتفع الذهب إلى مستويات غير مسبوقة بوصفه الملاذ الأخير في عالم فقد ثقته بالضامن الأمريكي، ستتفكك التحالفات الغربية كما تتفكك عُرى حبل بالٍ، وسيتسارع صعود تكتل البريكس، ويخطو اليوان الصيني خطوات واسعة نحو ملء الفراغ الذي خلفه تراجع الدولار، ولن تقتصر الارتدادات على الشرق الأوسط، بل ستمتد لتعيد رسم خرائط التدفقات التجارية ورؤوس الأموال العالمية من طوكيو إلى فرانكفورت، ومن نيودلهي إلى ساو باولو، إذ يُلخّص داليو هذه المعادلة لقاعدة حديدية في قانون تاريخي لم يعرف استثناءً واحداً على مدار خمسة قرون:"المال والسلطة يتدفقان دائماً وأبداً نحو المنتصر، ويفران من المهزوم"؛ لا مشاعر في هذا القانون، لا ولاءات قديمة، لا عواطف حلفاء ،المال جبان بطبعه، يبحث عن القوة ويهرب من الضعف وهذا ما فعله حين غادر لندن عام 1956، وقد يفعله مع واشنطن إذا انكشفت في هرمز.
خاتمة: "المحكمة الأخيرة عند بوّابة المحيط":
ليس مضيق هرمز ممراً مائياً عادياً بعرض أربعة وخمسين كيلومتراً ؛ إنّه وفق المنطق التاريخيّ الذي يقرأه داليو بعين عالم الرياضيات وبصيرة المؤرخ  "محكمة التاريخ الأخيرة" التي ستُصدر حكمها النهائي على العصر الأمريكي بأسره؛ خمسة قرون من الشواهد تؤكد أنّ الإمبراطوريات لا تنتهي بالضربة القاضية، بل تنتهي حين ينكشف عجزها عن حماية الممرات التي يتنفس منها الاقتصاد العالمي، سقطت لشبونة حين فقدت طريق التوابل؛ وسقطت أمستردام حين خسرت البحار؛ وسقطت لندن حين انسحبت من السويس.
والسؤال الذي يعلقه داليو اليوم على جدار التاريخ لا يتعلق بما إذا كان النمط سيتكرر، فالأنماط تتكرر حتماً لأنّ الطبيعة البشرية لا تتغيّر، بل يتعلّق بما إذا كانت أمريكا ستكون الاستثناء الأول في خمسمائة عام، أم ستكون الفصل الأحدث في قصّة قديمة قِدم الحضارة ذاتها؟؟
الإجابة كما علّمنا التاريخ دائماً لن تأتي من أروقة البيت الأبيض ولا من أقبية طهران المُحصنة، بل من ذلك الممر المائي الضيق حيث تتقاطع خطوط الجغرافيا والتاريخ والاقتصاد والقوة في نقطة واحدة، الإجابة في هرمز، ودائماً كانت في هرمز.
2026-03-22 07:20 PM943