دور الفواعل شبه الرسمية في السياسة الاستثمارية العراقية - المجلس الاقتصادي العراقي انموذجاً
دور الفواعل شبه الرسمية في السياسة الاستثمارية العراقية - المجلس الاقتصادي العراقي انموذجاً
علي احميد عبيد
عضو الهيأة العامة للجمعية العراقية للعلوم السياسية
في البداية يمكن القول أن القنوات التي تغذي السياسة العامة هي إما حكومية وإما غير حكومية وهنالك حالة وسطية تسمى شبه الرسمية والتي هي تكون غير حكومية من جهة ولها استقلالها من جهة أخرى لكنها تعمل في المجال العام وبالتنسيق مع الحكومة، ومن تلك الجهات شبه الرسمية هو المجلس الاقتصادي العراقي Iraqi Economic Council والذي يُعرّف نفسه من خلال موقع الرسمي على أنه: "منظمة عراقية مستقلة غير حكومية وغير سياسية وحيادية وتضم في عضويتها نخبة من سيدات ورجال الاعمال والمستثمرين العراقيين والشركات المستثمرة من داخل وخارج العراق والمنفذة للمشاريع في العراق".
وبالرجوع قليلاً الى آلية صياغة السياسة العامة فيمكن أن تكون من حيث البداية نابعة من جهة رسمية أو غير رسمية لكنها لاتكون سياسة عامة معتمدة مالم تتبناها جهة حكومية، وصنع السياسة العامة هي عملية معقدة وتتداخل مكوناتها وتتفاعل فيما بينها من أجل انتاج السياسة العامة بالشكل النهائي، وتمر العملية بعدد من المراحل:
أ- تحديد المشكلة: والذي يعني الاعتراف بوجود مشكلة بحاجة إلى حل.
ب- إثارة اهتمام الحكومة بالمشكلة: وتعني بعد الاهتمام بها إدراجها ضمن جدول الاعمال.
ت- رسم مقترحات سياسة عامة: أي وضع عدد من الحلول المقترحة للمشكلة المشخصة.
ث- إقرار بديل للسياسة العامة: أي الاستقرار على البديل الذي تراه الحكومة ملائماً.
ج- تمويل الحكومة: بمعنى تهيئة الأمور ذات العلاقة بتنفيذ السياسة العامة.
فيما يعمل المجلس الاقتصادي العراقي على تنمية ودعم الاقتصاد العراقي والاستثمار والاعمار بصورة خاصة ويهدف الى دعم ورعاية شريحة القطاع الخاص والمستثمرين وفق ما أقره الدستور العراقي ، والمشاركة في أبداء المقترحات لإصدار أو تعديل القوانين الخاصة بالاقتصاد والاستثمار.
وعليه يمكن أن يُطلق على ممارسته من خلال هذه الأعمال بالمساهمة بتهيئة بيئة استثمارية وبشكل عام هو مدخل مهم لصناعة السياسة العامة التي يمكن تعريفها على أنها : التعبير عن رغبة الحكومة بالعمل أو الامتناع عن العمل، كما يسميها (فيليب برو).
ويعمل المجلس وفق مبدأ العمل التطوعي الجماعي لخدمة الاستثمار والاعمار وأرساء قيم ومبادئ التعاون الاقتصادي بين العراق وبلدان العالم كافة، ومساندة التحولات الاقتصادية الجارية نحو اقتصاد السوق، ويعتمد اسلوب التعارف والتعاون وعقد مذكرات التفاهم مع الحكومات والمنظمات المحلية والعربية والدولية والشركات الخاصة وتشجيعهم على اقامة المشاريع الاستثمارية والاعمار المشترك داخل العراق والسعي لتوفير البيئة الاستثمارية الملائمة لعودة رؤوس الاموال المهاجرة للعمل والاستثمار في العراق. وهذا مدخل مهم من مداخل صناعة السياسة العامة الاستثمارية.
فيما يمكن عدّ المجلس واستناداً الى بنود المواصفة القياسية 9001: 2015 أنهم أطراف معنية لابد من فهم احتياجهم وتوقعاتهم كونهم يدخلون من ضمن البيئة التي تؤثر وتتأثر بالسياسة الاستثمارية كونهم مجموعة مستثمرين من جهة ومن جهة أخرى مؤسسة لها كيانها تعمل على الانتفاع من قانون الاستثمار رقم 13 لسنة 2006 المعدل.
ملتقى العراق للاستثمار:
الملتقى كان مقرّرًا في فندق الرشيد ببغداد يومي 14–15 يونيو 2025، برعاية رئيس الوزراء محمد شياع السوداني، ومن تنظيم المجلس الاقتصادي العراقي والهيئة الوطنية للاستثمار ومكتب رئيس مجلس الوزراء. كان من المتوقع عرض أكثر من 130 فرصة استثمارية تشمل القطاعات: الطاقة، الصناعة، الإسكان، الزراعة، والخدمات المالية، ولمشروعات المدن الجديدة والبنى التحتية كالطريق التنمو. في 13 يونيو 2025، أعلنت اللجنة التنظيمية عن تأجيل الملتقى بسبب “التداعيات والأوضاع غير المستقرة في المنطقة” وإغلاق الأجواء والمطارات في عدد من الدول بما في ذلك العراق. وزارة الخارجية والجهات المنظمة أكدت تأجيل الحدث إلى “إشعار آخر”، مع التزامها بتحديد موعد جديد بعد اكتمال التحضيرات.
في نهاية المطاف عُقد الملتقى في الشهر التاسع من العام 2025 في العاصمة بغداد ليشكل أحد أبرز الفعاليات الاقتصادية التي سعت الحكومة العراقية من خلالها إلى عرض فرص الاستثمار في البلاد والترويج لبيئة الأعمال أمام المستثمرين المحليين والدوليين. وقد جاء انعقاد الملتقى في سياق توجه حكومي يهدف إلى تنويع الاقتصاد العراقي وتقليل الاعتماد على العائدات النفطية، عبر فتح مجالات واسعة أمام القطاع الخاص والشركات الأجنبية للمشاركة في مشاريع التنمية والبنية التحتية.
شهد الملتقى حضوراً حكومياً رفيع المستوى ومشاركة واسعة من المستثمرين والشركات من داخل العراق وخارجه، إذ شاركت فيه مئات الشركات ورجال الأعمال وممثلو المؤسسات المالية، إضافة إلى وفود اقتصادية من عشرات الدول. وقد خُصصت جلسات متعددة لعرض الفرص الاستثمارية المتاحة في مختلف المحافظات العراقية، حيث تم تقديم حزمة كبيرة من المشاريع المقترحة في قطاعات متعددة شملت الطاقة والنفط والغاز والطاقة المتجددة، إضافة إلى قطاعات الإسكان والبنى التحتية والنقل والموانئ والصناعة والزراعة والسياحة والاتصالات. كما جرى خلال الملتقى الإعلان عن عشرات الفرص الاستثمارية التي توزعت على عدد كبير من المحافظات، في محاولة لعرض صورة شاملة عن الإمكانات الاقتصادية المتاحة في البلاد.
وفي كلمته الافتتاحية أكد محمد شياع السوداني أن العراق يمتلك فرصاً استثمارية واسعة تقدر بمئات المليارات من الدولارات في قطاعات متعددة، مشيراً إلى أن الحكومة تعمل على تحسين البيئة الاستثمارية من خلال إصلاحات تشريعية وإدارية تهدف إلى تبسيط الإجراءات وتقليل البيروقراطية وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص. كما أشار إلى أن المشاريع الاستراتيجية الكبرى التي تعمل الحكومة على تنفيذها، وفي مقدمتها مشروع طريق التنمية، تمثل ركيزة أساسية في رؤية العراق للتحول إلى مركز اقتصادي ولوجستي يربط بين آسيا وأوروبا عبر الأراضي العراقية.
كما تضمن الملتقى عرضاً لخطط الحكومة في مجال تطوير القطاع المصرفي وتشجيع الاستثمار الأجنبي المباشر، إلى جانب طرح مبادرات لدعم الشركات الصغيرة والمتوسطة وتعزيز التحول الرقمي في المؤسسات الحكومية لتسهيل إجراءات الاستثمار. وقد أتاح الملتقى أيضاً مساحة للنقاش بين المسؤولين الحكوميين والمستثمرين والشركات الدولية حول التحديات التي تواجه الاستثمار في العراق، ولا سيما ما يتعلق بالإجراءات الإدارية وتخصيص الأراضي والبنية التحتية والتمويل.
وبذلك مثل الملتقى خطوة مهمة ضمن جهود العراق لإعادة تقديم نفسه كوجهة استثمارية واعدة في المنطقة، ومحاولة لبناء جسور تواصل مباشرة بين الحكومة العراقية والقطاع الخاص العالمي، فضلاً عن كونه منصة لعرض المشاريع الاقتصادية الكبرى التي تسعى الدولة إلى تنفيذها خلال السنوات المقبلة في إطار خطط التنمية الاقتصادية وإعادة بناء البنية التحتية.تمكن تلمجلس باستخدام الملتقى تعزيز دوره كحلقة وصل بين الحكومة والقطاع الخاص، حيث أنه يجمع البيانات من الميدان (المستثمرين) ويحولها إلى توصيات سياساتية قابلة للتطبيق. كذلك يساعد في بناء الثقة بين المستثمرين والحكومة، عبر تقديم المجلس كجهة محايدة داعمة للاستثمار ومتابعة شكاوى المستثمرين وإيجاد حلول لها بالتنسيق مع الجهات الحكومية.
الخاتمة
يمكن القول إن الفواعل شبه الرسمية مثل المجلس الاقتصادي العراقي تمثل أداة مهمة في إثراء صناعة السياسة الاستثمارية في العراق، من خلال قدرتها على التحرك المرن بين القطاعين العام والخاص، واستثمار استقلالها وعلاقاتها الواسعة لتجميع المعطيات من الميدان وتحويلها إلى مقترحات واقعية قابلة للتطبيق.
لقد أثبت المجلس من خلال تنظيمه ملتقى العراق للاستثمار قدرته على أداء دور فعال في تحفيز بيئة الاستثمار عبر بناء جسور الثقة بين المستثمرين والحكومة، وجعل التفاعل بين القطاع الخاص وصناع القرار تفاعلاً عمليًا ومباشرًا. كما يسهم المجلس في تحريك عجلة الاستثمار الوطني وتفعيل بنود الدستور وقوانين الاستثمار، من خلال التشبيك الداخلي والخارجي وإطلاق مبادرات نوعية، بما يجعل منه مدخلًا حقيقيًا من مداخل صناعة السياسة العامة الاستثمارية التي تتطلب تفاعل الفواعل الحكومية وغير الحكومية وشبه الرسمية معًا لإنجاحها. وعليه، فإن تعزيز دور هذه المؤسسات في العراق بات ضرورة لتحقيق تنمية مستدامة وتنشيط الاقتصاد الوطني، وإيجاد سياسات استثمارية تتصف بالمرونة والواقعية، وتُبنى على احتياجات وتطلعات المستثمرين في الداخل والخارج على حد سواء.