باب المندب البوابة الخفية للصراع القادم في الشرق الأوسط
باب المندب البوابة الخفية للصراع القادم في الشرق الأوسط

الباحث علي حمزة غافل
عضو الهيئة الادارية للجمعية العراقية للعلوم السياسية 

في خضم التوترات المتصاعدة بسرعة في الشرق الأوسط، غالبًا ما تتجه الأنظار إلى مضيق هرمز باعتباره أهم شريان نفطي في العالم إلا أن تحليلًا معمقًا للمناورات العسكرية والسياسية يكشف أن التركيز الحقيقي قد يكون على موقع أكثر حساسية وخطورة: مضيق باب المندب.
يمثل باب المندب حلقة وصل حيوية بين البحر الأحمر وخليج عدن، وبالتالي فهو نقطة عبور رئيسية إلى قناة السويس وهذا ما يجعله محورًا استراتيجيًا لا يقل أهمية عن هرمز، بل ربما يفوقه أهمية في بعض الحسابات الجيوسياسية لا سيما فيما يتعلق بالتجارة العالمية وليس النفط فحسب.
في هذا السياق ثمة مؤشرات على استعدادات أمريكية قد تتجاوز مجرد الردع أو حماية الملاحة وقد تكون جزءًا من جهد أوسع لإعادة رسم خريطة النفوذ البحري في المنطقة.  لا يمكن تفسير نشر آلاف الجنود الأمريكيين في الشرق الأوسط بمعزل عن هذه التحولات لا سيما إذا تزامن ذلك مع تصعيد في محيط اليمن وسواحله الاستراتيجية ودخول انصار الله الحرب .
ورغم تركيز الأنظار على مضيق هرمز، تُبذل جهودٌ هادئة لترسيخ وجودٍ دائم في باب المندب. يعتمد هذا النهج على "خداع استراتيجي" يحوّل الأنظار العالمية إلى جبهة واحدة بينما تدور المعركة الحقيقية على جبهة أخرى أقلّ اهتمامًا إعلاميًا.
لا يمكن فصل هذه التحركات عن إمكانية تشكيل تحالف عربي أفريقي يهدف إلى توفير غطاء إقليمي لأي تدخل عسكري محتمل على الساحل اليمني قد يُسوّق لهذا التحالف على أنه حماية للملاحة الدولية أو مواجهة للتهديدات البحرية، لكنه في الواقع قد يكون جزءًا من مشروع أوسع للسيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في العالم.
 البُعد القانوني: قرارات مجلس الأمن
هنا يكمن دور مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة الذي أصدر عدة قرارات أبرزها قرار مجلس الأمن رقم 2216 لسنة 2015  الذي اعتُمد بموجب الفصل السابع. ويمكن استخدام هذا القرار سياسيًا لتبرير الوجود العسكري الدولي في البحر الأحمر وباب المندب بذريعة ضمان الأمن البحري ومع تطور الأحداث أصبحت هذه القرارات أداة مرنة يمكن توظيفها لتوسيع نطاق العمليات العسكرية لا سيما في ظل غياب توافق دولي حقيقي على حل سياسي شامل.
علاوة على ذلك، يمكن عرض أي تصعيد جديد في باب المندب على مجلس الأمن باعتباره تهديدًا للسلم والأمن الدوليين مما يفتح الباب أمام قرارات جديدة تمنح شرعية أوسع للتدخلات العسكرية سواء بشكل مباشر أو من خلال تحالفات إقليمية
 باب المندب: مركز ثقل عالمي
لا يقتصر التحكم في باب المندب على السيطرة على ممر ملاحي فحسب بل يمتد ليشمل التأثير المباشر على الاقتصاد العالمي إذ يمر عبره جزء كبير من التجارة الأوروبية والآسيوية وأي اضطراب في هذا المضيق سيؤثر فورًا على أسعار الطاقة وسلاسل التوريد العالمية.
هذا يجعل الساحل اليمني ساحة معركة مفتوحة ليس فقط بين القوى الإقليمية بل أيضًا بين المشاريع الدولية الساعية إلى إعادة توزيع النفوذ عالميًا لم تعد القضية مرتبطة بدولة واحدة بل بمن يملك القدرة على التحكم في مفاصل التجارة العالمية.
في نهاية المطاف، يبدو أن الشرق الأوسط على أعتاب تحول جذري يستخدم الأدوات العسكرية والقانونية والإعلامية بشكل متكامل. وبينما ينشغل العالم بمناطق الصراع التقليدية قد تتكشف التحولات الحقيقية بهدوء في مناطق مثل باب المندب.
 إن فهم هذه المعادلة يتطلب قراءة تتجاوز السطح وتحليلاً للمصالح الرئيسية حيث تعمل القوى المتصارعة وفقًا لمتغيرات يكون فيها البحر - وليس الأرض - هو الساحة الحقيقية لاتخاذ القرار.
2026-03-26 08:10 PM550