مجتبى خامنئي مرشداً اعلى .... قراءة في انتقال السلطة داخل النظام الإيراني

مجتبى خامنئي مرشداً اعلى .... قراءة في انتقال السلطة داخل النظام الإيراني
الباحث: حسين كشيم نعمة
عضو الجمعية العراقية للعلوم السياسية / فرع ذي قار
مقدمة: لم يمضي سوى ثمانية ايام على استشهاد المرشد الاعلى في إيران حتى تحمل مجلس الخبراء المكون من 88 عالماً وخبيراً مسؤوليته في اختيار البديل المنشود حيث حصل مجتبى خامنئي ثلثي الاصوات التي تؤهله لتولي هذه المهمة وبهذا يصبح مجتبى خامنئي ثالث مرشد منذ نجاح الثورة الاسلامية في عام 1979.
ان اختيار السيد مجتبى خامنئي مرشداً لإيران له مدلولات مهمة منها استمرارية النظام حيث يعتبر هذا الاختيار استمرار للنهج السياسي والديني لوالده الشهيد وهذا ما يعزز استقرار النظام الايراني ومن جهة اخرى ان هذا الاختيار ما هو الا تحدٍ واضح وصريح للغرب خاصة بعد تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب بأن تولي مجتبى خامنئي (غير مقبول) وهذا ما انعكس ايجاباً على الداخل الايراني المقاوم بطبعه حيث ادى هذا الاختيار الى امتصاص الصدمة وتعزيز الوحدة الداخلية في الوقت الذي راهن الغرب على ان التغيير سيكون سريعا وخاطفا بينما نرى ان ايران نجحت الى حد كبير في نقض الرواية الغربية ففي الوقت الذي صواريخها تدك القواعد الأمريكية في خمسة دول بالإضافة الى الكيان استطاعت ايران عبر المؤسسات السياسية والعسكرية من مبايعة المرشد الجديد وهذه رسالة واضحة لرفض الإملاءات الخارجية وهو ما يعكس استمرار النهج السياسي والديني لإيران ويعزز من استقرار النظام السياسي والحرس الثوري بل وسيعزز من زيادة نفوذ الحرس الثوري بصفته المؤسسة العسكرية الاقوى في ايران بحكم قرب السيد مجتبى خامنئي من هذه المؤسسة وان كان بعض المراقبين يرون ان العلاقة بينها ستكون علاقة تكاملية على العكس من علاقة المرشد السابق السيد علي خامنئي بالحرس الثوري والتي كانت علاقة الآمر والناهي الا ان هذا الاختيار سيجعل الحرس الثوري اكثر ديناميكية واكثر تحررا من قيود اي مرشد اخر ليست له صلة بهذه المؤسسة العسكرية.
ان اختيار السيد خامنئي خلفا لوالده من وجهة نظر ايرانية هو لضمان استمرار النهج المقاوم وتماسك النظام من الضغوط الخارجية والحفاظ على نفوذ الحرس الثوري حيث جاء هذا الاختيار في سياق الحرب والتوترات مع أمريكا واسرائيل ليؤكد ليس فقط استمرار النهج بل وتحديثه ايضا واغلاق باب الضعف والمساومة والمهادنة وهو ما لا ينسجم مع الذائقة الغربية بطبيعة الحال حيث وجود شخصية لها نفس ميزات وقدرات المرشد السابق وبعمر اصغر سيعيد المشهد الى نقطة الشروع من وجهة النظر الغربية فأمريكا التي ارسلت رسائل على لسان دونالد ترامب بأن اختيار مجتبى خامنئي غير مقبول كانت متنهبة لهذا الامر وبالتالي فهي لا تتواني من اعداد خطة متكاملة لاغتيال المرشد الجديد بعد فشلها بتغير النظام او زعزعته من الداخل ويبقى التحدي قائما بين قدرة النظام الايراني على الصمود وبين تحمل امريكا الضغوط الشعبية والدولية في استمرار الحرب فعامل الوقت هو الحاسم وهذا ما يراهن عليه القادة الايرانيون. والمتتبع للتاريخ السياسي الإيراني يجد أن القادة الأقوى ليسوا فقط من يذهبون إلى الحرب، بل أيضا من يمتلكون القدرة على اتخاذ قرارات صعبة مثل التراجع أو التسوية إذا اقتضت المصلحة ذلك.
وهنا يرى أستاذ دراسات إيران والشرق الأوسط في الجامعة الوطنية الأسترالية علم صالح أن انتخاب مجتبى خامنئي يحمل رسالة سياسية واضحة إلى خصوم إيران مفادها اننا لازلنا مستمرين على نفس النهج المقاوم وبنفس القوة إن لم تكن اشد
فبحسب تقديره، فإن أبرز ما أفرزته الضربة العسكرية كان قدرة النظام الإيراني على إعادة إنتاج قيادته بسرعة، في إشارة إلى أن مؤسسات الدولة ما زالت متماسكة رغم الهجوم.
ويضيف أن هذا الانتخاب يعكس دور ما يعرف بـ"الدولة العميقة" في إيران، ولا سيما الحرس الثوري، في ضمان استمرارية النظام ومراكزه الأساسية
أخيراً... انتخاب مجتبى خامنئي مرشداً أعلى لإيران لا يمكن قراءته كإجراء بروتوكولي داخل النظام فحسب بل كرسالة استراتيجية مباشرة إلى خصوم طهران في واشنطن وتل أبيب مفادها أن سياسة الضغوط القصوى ومحاولات كسر بنية النظام لم تحقق أهدافها فالنظام الذي استطاع خلال أيام قليلة إعادة إنتاج قيادته السياسية والدينية يثبت مرة أخرى أن معادلة إسقاطه أو إخضاعه ليست بالبساطة التي يتصورها خصومه بل إن هذه الخطوة قد تدفع إيران إلى مزيد من التشدد في ملفاتها الإقليمية والدولية انطلاقاً من قناعة راسخة داخل دوائر القرار بأن الصمود هو الطريق الوحيد للحفاظ على مكانتها ونفوذها وفي ظل هذا المشهد يبدو أن الصراع لم يدخل مرحلة الحسم بل مرحلة أكثر تعقيداً تتداخل فيها القوة العسكرية مع صراع الإرادات السياسية حيث يسعى كل طرف إلى فرض معادلته على الآخر.