التحولات البنيوية للنظام الدولي المعاصر في ضوء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية
التحولات البنيوية للنظام الدولي المعاصر في ضوء الحرب الأمريكية – الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية

الباحث: ضرغام المعموري
عضو الهيئة العامة للجمعية العراقية للعلوم السياسية


شهد النظام الدولي عبر عقود طويلة هيمنة واضحة من قبل القوى الكبرى، ولا سيما الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها، حيث اعتُبر هذا النظام شبه ثابت من حيث التحالفات والسياسات، مع اعتماد أدوات القوة الصلبة والناعمة، بما في ذلك توظيف شعارات الديمقراطية والتحرر كغطاء لتكريس النفوذ والهيمنة. وفي المقابل، أسهمت بعض الدول الضعيفة أو التابعة، نتيجة لاعتبارات أمنية أو اقتصادية، في ترسيخ هذا النمط من الهيمنة من خلال تبني سياسات الامتثال وعدم المواجهة.
إلا أن تصاعد دور الجمهورية الإسلامية الإيرانية، خصوصاً في سياق المواجهة الأخيرة، كشف عن تحول نوعي في بنية التفاعلات الدولية، إذ لم تُقدّر القوى الكبرى مسبقاً طبيعة وحجم رد الفعل الإيراني، ولا مدى امتلاكها لأدوات تأثير متعددة المستويات. فقد انعكس هذا الدور بشكل ملموس على التوازنات الاقتصادية وأدوات الردع، ليس فقط على مستوى الشرق الأوسط، بل امتد تأثيره إلى نطاق أوسع على مستوى النظام الدولي.
وتُظهر التحولات الجارية في النظام الدولي، بالتزامن مع الحرب الأمريكية–الإسرائيلية على الجمهورية الإسلامية الإيرانية، أن هذا النظام لم يعد محكوماً بذات القواعد التي سادت مرحلة ما بعد الحرب الباردة، حيث كانت الولايات المتحدة الأمريكية تمارس دور القطب الأوحد القادر على توجيه التفاعلات الدولية وفق رؤيتها الاستراتيجية. إذ إن هذه الحرب كشفت عن حدود القدرة الأمريكية على فرض الإرادة السياسية بشكل منفرد، وأظهرت في الوقت ذاته بروز قوى إقليمية تمتلك القدرة على التأثير في مسارات الصراع وإعادة صياغة قواعد الاشتباك.
في هذا السياق، يمكن تفسير هذه التحولات من خلال منظور نظريات العلاقات الدولية، ولا سيما الواقعية الجديدة، التي ترى أن توزيع القوة هو العامل الحاسم في تشكيل بنية النظام الدولي. فتصاعد قدرات الجمهورية الإسلامية الإيرانية، سواء على المستوى العسكري أو الاقتصادي أو في مجال أدوات الردع غير التقليدية، أسهم في إحداث خلل نسبي في ميزان القوى، الأمر الذي دفع القوى الكبرى إلى إعادة حساباتها الاستراتيجية. ولم يعد الردع مقتصراً على التفوق العسكري التقليدي، بل امتد ليشمل أدوات غير متماثلة مثل الحروب بالوكالة، والقدرات الصاروخية، والتأثير في سلاسل الإمداد والطاقة
ومن اللافت أن هذا التحول لم يقتصر على الخصوم المباشرين، بل امتد ليشمل حلفاء تقليديين للولايات المتحدة، وعلى رأسهم دول حلف شمال الأطلسي، التي بدأت بإعادة تقييم سياساتها الأمنية والاستراتيجية، مدفوعة بإدراك متزايد لاحتمالية انتقال نطاق التهديدات أو الضغوط إليها مستقبلاً.
ان هذه الحرب تمتاز بطابع مركب اذا انها تجمع بين الحرب التقليدية المحدودة وبين الحرب بالوكالة عبر فاعليين غير دوليين ، حيث تعتمد الجمهورية الإسلامية على استراتيجية الاستنزاف فضلا عن تصاعد دور محور المقاومة  ( حزب الله في لبنان ، والحوثيين في اليمن ) وكذلك غلق مضيق هرمز الممر الاستراتيجي المهم في منطقة الشرق الأوسط ، ان انعكاسات هذه الحرب بدت واضحة حيث بدأت الدول الاوربية بإعادة تقييم مواقفها مع ظهور تباين في المواقف  داخل المعسكر الغربي نفسه بشأن كيفية التعامل مع الحرب وخصوصا الدول الأكثر تأثرا اقتصاديا ، وتعتمد الجمهورية الإسلامية في هذه الحرب على عدة أدوات من أهمها هي ( الصواريخ الباليستية والنفوذ الإقليمي والطاقة ) والتي تعتمد من خلالها على التفاوض ، كما تمثل هذا الحرب مرحلة انتقالية  في الشرق الأوسط حيث سيتم إعادة توزيع النفوذ في القوى الإقليمية والدولية ولا يمكن تجاوز ايران في الترتيبات المستقبلية ، كما تمثل هذه الحرب اختبارا لقدرة الولايات المتحدة الامريكية على إدارة الازمات الكبرى وقدرتها أيضا على المحافظة على التحالفات وان إطالة الحرب يؤدي الى ضعف نفوذ الولايات المتحدة الامريكية الامر مما يتيح المجال لروسيا والصين لتعزيز حضورهم الإقليمي والدولي  
كما اثرت هذه الحرب على مركز القوة في النظام العالمي حيث لم تستطيع القوى الغربية على التحكم الكامل بمسارات النظام الدولي ولم تعد القوة  تقاس بالقدرة العسكرية بل بمدى التأثير الاقتصادي العالمي وحركة الطاقة ، كما تدفع هذا التطورات اوربا الى إعادة صياغة تحالفاتها وسياساتها في ظل بيئة دولية تتجه نحو المزيد من التعقيد 
وعليه، يمكن القول إن هذه الحرب تمثل نقطة تحول مفصلية، يُتوقع أن تُفضي إلى تحولات بنيوية عميقة في النظام الدولي، سواء على مستوى إعادة تشكيل التحالفات الأمنية، أو في بنية المنظمات الدولية، فضلاً عن إعادة توزيع مراكز القوة على المستويين الإقليمي والدولي، بما يعكس انتقالاً تدريجياً نحو نظام دولي أكثر تعددية وتعقيداً ، وتعمل أيضا على إعادة تشكيل توازنات الردع ومراكز القوة الإقليمية والدولية .
2026-04-03 12:20 AM599