( تقدير موقف) أزمة الصيادين : بروتوكول 2008 الأمني وأثره في مستقبل العلاقات العراقية–الكويتية
( تقدير موقف)
( تقدير موقف)
أزمة الصيادين :  بروتوكول 2008 الأمني وأثره في مستقبل العلاقات العراقية–الكويتية
 
م . م فؤاد كريم خضير                                       م. م حسين صبري خلف
عضو الهيئة العامة / الجمعية العراقية للعلوم السياسية             عضو الهيئة الادارية / الجمعية العراقية للعلوم السياسية

 
الملخص :
تتمحور الدراسة حول أزمة الصيادين العراقيين في خور عبد الله المشتعلة في تموز 2026، والتي تفجرت إثر مقتل الصياد نجم عبد الله برصاص خفر السواحل الكويتي عند العوامة رقم 5 واحتجاز بقية الطاقم لستة أيام. وتكشف الدراسة أن هذه الحادثة ليست مجرد خطأ ميداني معزول، بل هي نتاج تدهور بيئي حاد في قضاء الفاو أجبر الصيادين على دخول المياه العميقة طلباً للرزق، ليصطدموا بتبعات قرار الترسيم الدولي رقم (833) وغياب العلامات الميدانية الواضحة التي ترشد قواربهم البدائية.
 وتكمن العقدة الحقيقية للأزمة في بروتوكول المبادلة الأمنية لعام 2008 الموقع سرياً بين بحرية البلدين دون حيز دستوري أو موافقة برلمانية، وهو اتفاق يمنح الكويت صلاحيات مطلقة في المطاردة والاعتقال ويكبل القوة البحرية العراقية. وقد تفاقم هذا الوضع أواخر عام 2023 بعد إلغاء المحكمة الاتحادية لاتفاقية الملاحة لعام 2012، مما خلق فراغاً قانونياً زاد من خشونة التعامل الكويتي، وجعل الصياد العراقي ضحية لتناقض حاد بين مناخ شعبي وسياسي يظن أن الخور قد استُعيد للسيادة، وبحرية كويتية تبطش ميدانياً بالاستناد إلى ذلك البروتوكول السري .
داخلياً، تعيش الدولة تشظياً مؤسساتياً عميقاً يترجمه تعاملها مع الأزمة بـرأسين متناقضين إذ ينتهج المسار الحكومي الرسمي الدبلوماسية الهشة والاحتواء السلبي خوفاً من الصدام، بينما يهدد المسار السياسي الموازي بالرد العسكري والمسيرات، بالتزامن مع غليان الشارع البصري وإضراب الصيادين كاملاً في مرسى النقعة بالفاو. وتتداخل مع هذا الانقسام أبعاد استخباراتية تجسدت في تعرض الصيادين لتعذيب مكثف لانتزاع اعترافات مفبركة تربطهم بالحرس الثوري الإيراني لشرعنة العنف الكويتي دولياً، وسط بيئة إقليمية تدعم فيها المنظومة الخليجية أمن الكويت، وتستثمر إيران الأزمة للضغط، في حين تتدخل أمريكا لحماية الملاحة وتدفق الطاقة. 
 وبناءً على هذه المعطيات، تستشرف الدراسة ثلاثة سيناريوهات مستقبليّة، تتوقع في أعلاها احتمالاً انزلاق المنطقة نحو حرب الظل البحرية والعمليات الفصائلية الهجينة ضد القطع الكويتية. ولتجنب هذا السيناريو، يختتم البحث بتقديم حزمة توصيات استراتيجية عاجلة تلزم صانع القرار العراقي بإعلان البرلمان بطلان بروتوكول 2008 فوراً، وتكليف البحرية العراقية بفرض دوريات حماية ومرافقة عسكرية مسلحة للصيادين، والتوجه نحو التدويل القضائي أمام المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS)، مع تعويض الضحايا، ومقايضة الكويت اقتصادياً برهن مشاريع الربط السككي والاستثمار بمدى مرونتها في التوصل لترسيم حدودي منصف يحمي السيادة وأرزاق المواطنين.
المقدمة: 
في تموز من عام 2026، لم يعد خور عبد الله مجرد ممر ملاحي ضيق يربط الموانئ العراقية بمياه الخليج العربي، بل تحول إلى خط مواجهة ساخن يعكس عمق الأزمة الهيكلية في العلاقات العراقية–الكويتية. إن حادثة مقتل العراقي الشاب نجم عبد الله، وإصابة زميله ثائر برصاص خفر السواحل الكويتي عند العوامة رقم 5، ومن ثم احتجاز بقية طاقم الصيد لستة أيام تعرضوا خلالها لضغوط تحقيقية مكثفة، لا يمكن قراءتها كحدث أمني معزول أو مجرد خطأ ميداني من دورية بحرية كويتية.
إن هذه الحادثة تمثل الذروة المرئية لجبل جليد من الأزمات المؤجلة بين العراق والكويت، وهي نتاج طبيعي لتقاطع ثلاثة عوامل استراتيجية، أولها الخانق الجغرافي والبيئي الذي يعيشه قضاء الفاو وصيادوه، وثانيها الفراغ القانوني الذي أعقب قرار المحكمة الاتحادية العليا في العراق أواخر عام 2023 بإلغاء اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية لعام 2012، وثالثها –وهو الأشد خطورة وغموضاً– الاستناد الميداني لخفر السواحل الكويتي إلى بروتوكول المبادلة الأمنية لعام 2008 السري وغير المنشور، والذي يمنح الجانب الكويتي تفوقاً إجرائياً وميدانياً مطلقاً في مناطق التماس البحرية المتداخلة.
​تنطلق هذه الورقة من فرضية أساسية مفادها: أن أزمة الصيادين الحالية ليست نتاج مصادفة ميدانية، بل هي انعكاس مباشر لفراغ قانوني وسياسي حاد نتج عن إلغاء اتفاقية تنظيم الملاحة لعام 2012 من قبل المحكمة الاتحادية العليا في العراق أواخر عام 2023، مما دفع الجانب الكويتي إلى تفعيل وتغليظ بروتوكول المبادلة الأمنية لعام 2008 السري كأداة لفرض الأمر الواقع بالردع الخشن. تستهدف هذه الورقة قراءة هذه المحركات الهيكلية واستشراف أثرها المستقبلي على العلاقات الثنائية بين بغداد والكويت بصفتنا متخصصين في العلاقات الدولية المعاصرة.
تستهدف هذه الدراسة تقديم قراءة سردية، تحليلية، واستشرافية معمقة وشاملة للمشهد، لتفكيك العقيدة الأمنية للطرفين، وبحث شرعية الاتفاقيات السرية في ضوء القانون الدولي، ورصد الانقسام البنيوي داخل الدولة العراقية بين خط الدبلوماسية الرسمية وخط الردع الفصائلي والشعبي، وصولاً إلى صياغة سيناريوهات مستقبلية دقيقة وتوصيات استراتيجية لصانع القرار العراقي.
أولاً: تشريح المحركات الهيكلية للأزمة – لقمة العيش في مصيدة الجغرافيا
1-الخانق الجغرافي والبيئي لقضاء الفاو
يمثل قضاء الفاو جنوبي محافظة البصرة الرئة البحرية الوحيدة للعراق، والمنطلق التاريخي لأساطيل الصيد العراقية نحو مياه الخليج. إلا أن هذا المنفذ يعيش منذ عقدين حصاراً ثلاثي الأبعاد، بيئياً، واقتصادياً، وسياسياً. فمن الناحية البيئية، أدى تراجع تدفقات المياه العذبة من نهري دجلة والفرات، وارتفاع معدلات التلوث داخل شط العرب، إلى صعود لسان ملحي حاد قضى على التنوع الأحيائي والثروة السمكية في المياه الداخلية للعراق. هذا التدهور البيئي جعل مهنة الصيد داخل شط العرب غير مجدية اقتصادياً.
أمام هذا الواقع، لم يجد صيادو الفاو بداً من التوغل أكثر نحو المياه العميقة والمفتوحة في خور عبد الله وشمال الخليج العربي تأميناً لرزقهم، لاسيما في المواسم الحيوية مثل موسم صيد سمك الزبيدي. هذا الاضطرار البشري والاقتصادي وجد نفسه في مواجهة مباشرة مع بيئة قانونية وجغرافية دولية بالغة التعقيد والصرامة، نتجت عن قرار مجلس الأمن الدولي رقم (833) لعام 1993 الخاص بترسيم الحدود بين العراق والكويت بعد حرب الخليج الثانية، وهو القرار الذي قضم مساحات واسعة من المياه التاريخية التي كان البحارة العراقيون يتحركون فيها بحرية، محولاً إياهم –بين ليلة وضحاها– إلى متسللين في نظر القانون الدولي وجيرانهم الكويتيين.
2-معضلة العوامة رقم 5 والمياه المتداخلة
تعتبر المنطقة المحيطة بـالعوامة رقم 5 في خور عبد الله واحدة من أعقد مناطق التماس البحري. فالمسافات الفاصلة بين الشواطئ العراقية والكويتية في هذه المنطقة ضيقة للغاية، والمياه فيها متداخلة وتتحرك فيها القنوات الملاحية بشكل يجعل الخطوط الحدودية الوهمية غير مرئية للصيادين الذين يقودون لنجات وقوارب خشبية بسيطة لا تحتوي على أنظمة تموضع متطورة (GPS) كتلك الموجودة لدى الزوارق العسكرية.
تؤكد شهادات الصيادين الناجين (حسن خالد، ثائر محمد، وجعفر حسن) أنهم كانوا يمارسون عملهم ويستعدون لرمي شباكهم داخل المياه العراقية بالقرب من ميناء الفاو الكاسر وميناء البصرة النفطي، بينما استندت الدورية الكويتية في تبريرها للقوة البحرية العراقية إلى أن القارب العراقي تجاوز الحدود ودخل المياه الإقليمية الكويتية. هذا التباين الحاد في تحديد مكان الحادث يعكس غياب أي علامات ترسيم ميدانية واضحة متفق عليها بين البلدين لإدارة الصيد، مما يحول أي رحلة طلب رزق يقوم بها بحار عراقي إلى مغامرة حقيقية قد تنتهي بالقتل أو الاعتقال.
ثانياً: الخفاء القانوني والأمني – بروتوكول 2008 كأداة للهيمنة البحرية
1-نشأة البروتوكول وسياقه التاريخي
إذا كانت اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله لعام 2012 قد نالت نصيبها الوافر من النقاش السياسي والإعلامي والقانوني داخل العراق وخارجه حتى أفضى الأمر إلى إلغائها من قبل المحكمة الاتحادية العليا، فإن هناك ثقباً أسود يمثل العقدة الحقيقية وراء العنف الميداني المستمر في الخور، وهو ما يُعرف  بـبروتوكول المبادلة الأمنية بين قيادة القوة البحرية العراقية وقيادة القوة البحرية الكويتية الموقع في سنة 2008.
صيغ هذا البروتوكول في حقبة زمنية كان العراق يرزح فيها تحت طائلة البند السابع من ميثاق الأمم المتحدة، وكانت مؤسساته العسكرية والأمنية في طور إعادة البناء والتشكل بعد غزو عام 2003، وفي ظل ضعف سياسي وتفاوضي حاد. وقع الاتفاق على مستوى القيادات البحرية للبلدين دون أن يمر بالقنوات الدستورية المعتادة (مجلس الوزراء ومجلس النواب)، وحمل عنواناً مضللاً يوحي بالتكافؤ والتعاون المشترك، لكنه في حقيقته كان بروتوكول إذعان فرضته الظروف السياسية والتوازنات العسكرية لصالح الكويت.
2-السرية المطلقة وبطلان الاتفاقيات في القانون الدولي
إن الملمح الأبرز لبروتوكول 2008 هو سريته التامة وضبابية نصه. فحتى تموز من عام 2026، لم يُنشر هذا البروتوكول في الجريدة الرسمية العراقية (الوقائع العراقية) ولا في الجريدة الرسمية الكويتية، وظل طي الكتمان داخل أدراج القيادات البحرية والاستخبارية. من وجهة نظر القانون الدولي وعلم العلاقات الدولية، فإن هذه السرية تنزع الشرعية القانونية والدستورية عن الاتفاق. فوفقاً للمادة (102) من ميثاق الأمم المتحدة: كل معاهدة وكل اتفاق دولي يعقده أي عضو من أعضاء الأمم المتحدة بعد العمل بهذا الميثاق يجب أن يسجل في أمانة الهيئة وأن تنشره بأسرع ما يمكن. وتضيف الفقرة الثانية من المادة نفسها: لا يجوز لأي طرف في معاهدة أو اتفاق دولي لم يسجل وفقاً لأحكام الفقرة الأولى من هذه المادة أن يحتج بتلك المعاهدة أو ذلك الاتفاق أمام أي فرع من فروع الأمم المتحدة.
بالتالي، فإن استناد الجانب الكويتي ميدانياً ودبلوماسياً إلى هذا البروتوكول يفتقر إلى السند القانوني الدولي السليم، ويمثل التفافاً على الحقوق السيادية للعراق، طالما أن الاتفاق لم ينل ثقة البرلمان العراقي ولم يتم إعلانه للجمهور.
3-الصلاحيات الممنوحة للكويت وشلل البحرية العراقية
تؤكد المعطيات والبيانات الرسمية الشحيحة المشيرة إلى البروتوكول أن الجانب الكويتي يتصرف بأريحية كاملة وبفوقية ميدانية واضحة في خور عبد الله بناءً على التفسير الأحادي لبنوده. فقد منح البروتوكول خفر السواحل الكويتي صلاحيات واسعة النطاق للمناورة، والمطاردة، والتعقب، والاحتجاز داخل الممرات البحرية المشتركة ومناطق التماس المتداخلة، تحت لافتة فضفاضة هي ضمان أمن وسلامة الملاحة ومنع الأنشطة الإرهابية والإجرامية العابرة للحدود.
هذه اللافتة الأمنية جعلت أي تحرك لصياد عراقي بسيط بمثابة خرق أمني محتمل يقع تحت طائلة التعامل العسكري الخشن. وفي المقابل، تسبب هذا البروتوكول في تكبيل وتطويق صلاحيات القوة البحرية العراقية، التي باتت عاجزة عن توفير الحماية الميدانية لمواطنيها وصياديها داخل الخور، ومحكومة بقواعد اشتباك تفرض عليها التراجع والاعتراف الضمني بـالتجاوز العراقي لتفادي الصدام العسكري الرسمي أو إثارة أزمات دبلوماسية دولية قد تعيد العراق إلى المربع الأول في علاقاته مع المنظومة الخليجية.
4- معركة الإلغاء المجهضة (2022–2024) والتواطؤ الداخلي
لم يكن صانع القرار الأمني في العراق غافلاً تماماً عن المصيدة القانونية التي يشكلها بروتوكول 2008. فقد كشفت التحركات الرسمية عن محاولات جادة قادها العراق في عامي 2022 و2024 لإلغاء هذا البروتوكول أو تعديل بنوده الجائرة بما يضمن حماية الصيادين ومنع استخدام السلاح الحي ضدهم. إلا أن هذه المحاولات واجهت حائط صد إقليمي ومحلي مزدوج.
·       الفيتو الكويتي-الخليجي: سارعت الكويت، مدعومة بموقف حازم وصارم من مجلس التعاون الخليجي، إلى رفض أي مساس بالبروتوكول. ولوحت المنظومة الخليجية بتهديد دبلوماسي وقانوني عالي النبرة، أعلنت فيه أن إلغاء العراق للبروتوكول من جانبه لن يثني الكويت عن الاستمرار في العمل به وتنفيذه ميدانياً من طرف واحد، وهو ما يعني عملياً شرعنة الكويت لنفسها استخدام القوة المطلقة ضد أي قارب عراقي يقترب من حدودها الافتراضية دون الحاجة للتنسيق أو إخطار الجانب العراقي.
·       التدخلات والإرادات السياسية الداخلية: على الصعيد المحلي في بغداد، لعبت الضغوط السياسية التي مارستها قوى وكتل نافذة دوراً محورياً في إجهاض محاولات الإلغاء. إذ رأت تلك الأطراف أن فتح ملف الاتفاقيات الأمنية البحرية مع الكويت قد يؤدي إلى زعزعة الاستقرار السياسي والاقتصادي، والتأثير سلباً على ملفات الديون، والتعويضات، والاستثمارات الخليجية الموعودة في العراق، فضلاً عن رغبتها في عدم إحراج بغداد دبلوماسياً أمام المحيط العربي. ونتيجة لتلك المجاملات السياسية والتوازنات النفعية، آثرت النخب السياسية غض الطرف عن البروتوكول، مضحية بملف سلامة وأرزاق صيادي الفاو لحماية مصالحها السياسية العليا.
ثالثاً: الفراغ القانوني الخطير بعد إلغاء اتفاقية 2012
شهدت العلاقات العراقية–الكويتية تحولاً جذرياً في أواخر عام 2023، عندما أصدرت المحكمة الاتحادية العليا في العراق حكماً باتاً يقضي بعدم دستورية قانون التصديق على اتفاقية تنظيم الملاحة البحرية في خور عبد الله لعام 2012، مستندة إلى أن التصديق لم يحصل على أغلبية الثلثين المطلوبة في مجلس النواب وفقاً للمادة (61/رابعاً) من الدستور العراقي.
رغم أن هذا القرار كان انتصاراً قانونياً وسيادياً للتيار الوطني العراقي والحراك الشعبي في البصرة، إلا أنه فتح بوابات الفراغ القانوني الخطير ميدانياً. فالإلغاء العراقي الأحادي للاتفاقية السياسية والملاحية فجّر أزمة دبلوماسية صامتة مع الكويت، وترجمته الأخيرة ميدانياً على شكل استنفار أمني غير مسبوق وتشديد مفرط لقواعد الاشتباك من قبل خفر سواحلها. فمن وجهة النظر الأمنية الكويتية، أصبح إلغاء الاتفاقية يعني غياب القواعد المنظمة لحركة القطع البحرية، وبالتالي أصبحت أي حركة عراقية في الخور تُمثل تهديداً حدودياً مباشراً يتطلب ح حسماً عسكرياً بالحديد والنار لإعادة فرض الأمر الواقع.
المفارقة الكبرى والكارثية هنا تمثلت في أن اتفاقية الملاحة لعام 2012 ألغيت قضائياً، بينما بروتوكول الأمن لعام 2008 ظل سارياً ونشطاً في الخفاء. هذا التناقض جعل الصياد العراقي يبحر مستنداً إلى مناخ شعبي وسياسي عراقي يرى أن الخور قد استُعيد للسيادة العراقية، ليتفاجأ على أرض الواقع ببحرية كويتية متمسكة ببروتوكول أمني يمنحها حق إطلاق الرصاص الحي والاعتقال والتعذيب.
رابعاً: ديناميكيات الداخل العراقي – التشظي المؤسساتي والانقسام البنيوي
تُظهر المعلومات والبيانات المتلاحقة في تموز 2026 أن الدولة العراقية تدار بـرأسين متناقضين في تعاطيها مع هذه الأزمة السيادية، مما يبرز انقساماً بنيوياً عميقاً بين مؤسسات الدولة الرسمية والقوى الموازية لها (اللا-دولة):
1-المسار الحكومي الرسمي (الدبلوماسية الهشة والاحتواء)
يمثل هذا المسار رئيس الوزراء علي فالح الزيدي، ووزارة الخارجية بقيادة فؤاد حسين، والمؤسسة العسكرية الرسمية ممثلة برئاسة أركان الجيش ووكيل وزارة الداخلية الأقدم حسين العوادي ومحافظ البصرة أسعد العيداني. يتحرك هذا المحور وفق عقيدة الدفاع السلبي والاحتواء الدبلوماسي السريع، وتتلخص خطواته في:
·       الإسراع بتشكيل لجان فنية وأمنية وزيارة الكويت ميدانياً لاستلام المعتقلين وجثمان الضحية لتفادي تفاقم الأزمة.
·       إصدار بيانات تؤكد على العلاقات الأخوية وحماية الأرواح، والمطالبة بوضع آليات وقائية مشتركة لمنع تكرار الخروقات غير المقصودة.
·       الإقرار الضمني بـالتجاوز القانوني للصيادين كما جاء في بيان قائد القوة البحرية الفريق الركن مازن كبيان، الذي قال إن الجانب الكويتي أبلغهم بالتجاوز وأن الاحتجاز كان كافياً بدل النار، وهو موقف يعكس الخضوع لبنود بروتوكول 2008 والخوف من مواجهة الاستحقاقات القانونية الدولية لقرارات الأمم المتحدة.
2-المسار السياسي الموازي (عقيدة الردع غير المتناظر والتصعيد)
على الضفة الأخرى من المشهد، تبرز مواقف قوى سياسية ومجموعات مسلحة نافذة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية، مدعومة بأصوات نيابية من داخل المؤسسة التشريعية. يستند هذا المحور في تعاطيه مع الأزمة إلى عقيدة الردع الخشن غير المتناظر، وقد جاءت ردود أفعاله راديكالية وتصاعدية بشكل لافت تُرجمت في ثلاثة مستويات:
مستوى الخطاب التعبوي: ركزت البيانات الصادرة عن الأجنحة السياسية والعسكرية لهذه القوى على تشبيه الممارسات الميدانية الكويتيّة بسلوكيات أنظمة الاحتلال في المنطقة، متوعدة الجانب الكويتي بـردود فعل شعبية وعسكرية حتمية وقريبة ما لم تتخذ القنوات الرسمية إجراءات حازمة لوقف هذا الاستهتار، ومؤكدة على أن للشارع أدواته الخاصة لـتأديب المعتدين.
مستوى توظيف القدرات العسكرية: أطلقت هذه المجموعات تحذيرات عالية النبرة للحكومة المركزية من الانجراف وراء الضغوط الدولية، مؤكدة رفضها المطلق للمساومة على سلاحها أو تجميد قدراتها الردعية، مع ربط أزمة الخور بالسياق الجيوسياسي الإقليمي الأوسع لتثبيت معادلة مفادها أن السلاح الموازي هو الضامن الحقيقي للسيادة في ظل انكشاف الدولة رسمياً.
مستوى الضغط التشريعي والدبلوماسي: تبنى نواب ممثلون لهذا الاتجاه خطاباً هجومياً حاداً تحت قبة البرلمان، نازعين صفة الشقيقة عن الجارة الخليجية، ومطالبين باعتماد مبدأ المعاملة بالمثل ميدانياً ودبلوماسياً، بما في ذلك طرد البعثات الدبلوماسية والقنصلية من المحافظات الجنوبية فوراً رداً على ما وصفوه بـالجريمة المنظمة.
يستهدف هذا المسار تصدير فاعليته كلاعب أساسي في ركائز السياسة الخارجية عبر تحقيق جملة من الأهداف أبرزها إحراج السلطة التنفيذية وإظهارها بمظهر الضعيف والعاجز عن حماية مواطنيه نتيجة المجاملات السياسية والتزاماتها الخارجية. فضلاً عن ذلك، تسعى هذه القوى إلى سحب بساط الشرعية الأمنية والسيادية في البصرة لصالحها، وتأكيد حضورها كقوة رادعة عابرة للحدود تفرض معادلاتها الميدانية الخاصة بعيداً عن بروتوكولات الدولة الرسمية المكبلة.
3-المسار المحلي والشعبي (الاحتقان والغليان الاقتصادي)
بين مطرقة الدبلوماسية الحكومية وسندان الوعيد الشعبي، يغلي الشارع البصري في قضاء الفاو. تمثل رد الفعل المحلي في:
شلل اقتصادي تام: خلو مزاد الفاو للأسماك في مرسى النقعة من معروضاته لليوم الثاني على التوالي نتيجة إعلان الصيادين الإضراب العام والامتناع عن ركوب البحر احتجاحاً على استباحة دمائهم.
الضغط الشعبي والحراك: احتشاد الأهالي في منفذ سفوان الحدودي وتشييع جثمان الشهيد نجم عبد الله في تظاهرات غاضبة طالبت بإغلاق القنصلية الكويتية، وتفعيل قرار المحكمة الاتحادية، وتكليف القوة البحرية بحماية البحارة فوراً.
تحذيرات مجلس المحافظة: جاء بيان رئيس مجلس محافظة البصرة خلف لفته البدران بمثابة جرس إنذار حقيقي، حيث أكد أن البصرة تعيش حالة من الاحتقان الشعبي الذي قد يخرج عن السيطرة ما لم تتخذ إجراءات حازمة وعاجلة، محذر الجهات الاتحادية والجانب الكويتي من تداعيات هذا الملف بعبارة تاريخية حاسمة (ولات حين مندم ).
خامسًا: التحقيق والتعذيب – الرسائل السياسية وراء الكواليس
تُشكل الشهادات الحية التي أدلى بها الصيادون الناجون بعد إطلاق سراحهم بجهود محلية ودبلوماسية، وثيقة إدانة حقوقية تكشف الخلفيات السياسية الحقيقية للملف الأمني الكويتي. فقد واجه الصيادون العراقيون طوال 6 أيام في السجن الكويتي –وهم معصوبو الأعين– اعتداءات جسدية وضرباً مبرحاً لا يترك أثراً، ترافق مع استجواب سياسي مكثف ركز على إجبارهم تلفيقاً على الاعتراف بأنهم ينتمون إلى الحرس الثوري الإيراني أو الحشد الشعبي العراقي، وهُددوا بالذبح والقتل إن لم يمتثلوا، رغم إبرازهم لهويات الصيد الرسمية وتأكيدهم بأنهم مجرد كسبة يبحثون عن لقمة عيش عوائلهم.
هذا السلوك الاستنطاقي من قبل المحققين الكويتيين يحمل دلالات استراتيجية بالغة الأهمية:
فوبيا النفوذ الإقليمي: يعكس التحقيق حجم التوجس والتخوف الأمني الحقيقي لدى دولة الكويت من النفوذ والامتداد الإيراني والفصائل العراقي نحو بوابتها البحرية الشمالية، وتحول مهنة الصيد في خور عبد الله إلى غطاء محتمل لعمليات استخبارية أو تهريب سلاح لصالح محور المقاومة.
شرعنة العنف دولياً: تحاول الأجهزة الأمنية الكويتية العثور على أي رابط سياسي أو عسكري للصيادين لتبرير استخدامها المفرط للرصاص الحي وقتل نجم عبدالله وإصابة زميله ثائر بشلل كامل أمام الرأي العام الدولي. فإلقاء القبض على خلايا مسلحة تابعة للحرس الثوري في مياهها الإقليمية يمنحها غطاءً قانونياً دولياً تحت بند الدفاع عن النفس ومكافحة الإرهاب المنصوص عليه في بروتوكول 2008، في حين أن قتل صيادين مدنيين عزل يبحثون عن سمك الزبيدي يمثل جريمة ضد الإنسانية وانتهاكاً صارخاً لمعايير حقوق الإنسان وقانون البحار.
سادساً: تحليل مواقف الأطراف الإقليمية والدولية المؤثرة
لا يمكن فصل التوتر البحري بين العراق والكويت عن الشبكة المعقدة من المصالح الإقليمية والدولية في منطقة شمال الخليج العربي، والتي تؤثر بشكل مباشر على خيارات صانع القرار العراقي:
​1-دولة الكويت ومنظومة مجلس التعاون الخليجي
تتحرك الكويت مدفوعة بـعقيدة حماية امنها القومي  والدفاع الصارم عن الحدود المرسومة دولياً بموجب القرار (833). وتعتبر الكويت أن أي تراخٍ ميداني في خور عبد الله، خاصة بعد قرار المحكمة الاتحادية العراقية، قد يُفسر من قبل بغداد أو الفصائل المسلحة كضعف، مما قد يشجع على خصم المزيد من حقوقها البحرية أو السيادية. وتستند الكويت في موقفها المتشدد إلى دعم سياسي ومظلة أمنية مطلقة من دول مجلس التعاون الخليجي، التي ترى في أمن الكويت القومي خطاً أحمر لا يمكن تجاوزه، وتعتبر أي تهديد عسكري أو فصائلي موجه لها بمثابة تهديد للمنظومة الخليجية بأكملها، وهو ما يفسر بيان المجلس الرافض لإلغاء بروتوكول 2008 من جانب واحد.
2-الجمهورية الإسلامية الإيرانية
تراقب طهران المشهد في خور عبد الله باهتمام بالغ، لاسيما وأن اسمها زُج به مباشرة في التحقيقات الكويتية مع الصيادين. يرتبط الموقف الإيراني بحسابات استراتيجية أوسع تتعلق بضمان حرية الحركة البحرية في الخليج ومضيق هرمز، والحفاظ على نفوذ حلفائها من الفصائل العراقية في البصرة وشواطئها. ورغم أن طهران قد لا تدفع نحو مواجهة عسكرية مباشرة بين الفصائل والكويت تلافياً لتخريب العلاقات الدبلوماسية الهشة والتقارب الأخير مع المعسكر الخليجي، إلا أنها تستثمر هذه الأزمات لـإبقاء الضغط مستمراً على حلفاء واشنطن في المنطقة، والتأكيد على أن أي ترتيبات أمنية بحرية في الخليج لا يمكن أن تمر دون أخذ مصالح نفوذها بعين الاعتبار، وهو ما عكسته تصريحات الرئيس الإيراني بزشكيان  بشكر العراقيين في سياق متزامن يثبت ترابط الملفات.
​3-الولايات المتحدة الأمريكية والمنظومة الدولية
تظهر اللمسات الأمريكية واضحة في كواليس الأزمة من خلال تحركات القائم بالأعمال الأمريكي في البصرة، ولوائه بشروط الشراكة وفتح ملف القنصلية، بالتزامن مع فرض واشنطن عقوبات مشددة على شبكات أموال صرافة تابعة لإيران لنقل مليارات الدولارات. تتمحور العقيدة الأمريكية في شمال الخليج حول ثلاثة ثوابت: ضمان التدفق الحر للطاقة والنفط من الموانئ العراقية والكويتية، وحماية أمن الحلفاء التقليديين (الكويت)، ومنع الفصائل المسلحة الموالية لإيران من السيطرة على الممرات الملاحية الحيوية. ترى واشنطن في التصعيد الفصائلي ضد الكويت تهديداً مباشراً للملاحة الدولية، وتضغط بقوة على حكومة الزيدي للالتزام بالتهدئة واحتواء الفصائل، ملوحة بعقوبات اقتصادية ومالية صارمة على العراق في حال خروج الأوضاع عن السيطرة ومساس الأمن الخليجي.
سابعاً: قراءة في بطلان بروتوكول 2008 وفقاً للمنظور الدستوري والقانوني العراقي
من وجهة نظر القانون الدستوري العراقي، يمتلك العراق أوراقاً قانونية قوية للغاية لإعلان بطلان بروتوكول المبادلة الأمنية لعام 2008 والتحلل من بنوده الجائرة، وذلك بالاستناد إلى الحجج التالية:
مخالفة المادة (61/رابعاً) من الدستور: ينص الدستور العراقي لعام 2005 صراحة على أن مجلس النواب يتولى عملية تنظيم عملية المصادقة على المعاهدات والاتفاقيات الدولية بقانون يُسن بأغلبية ثلثي أعضاء مجلس النواب. وبما أن بروتوكول 2008 جرى توقيعه بشكل سري بين قيادات بحرية دون عرضه على البرلمان ودون صدور قانون تصديق به، فإنه يعتبر اتفاقاً باطلاً بطلاناً مطلقاً وفاقداً للأثر القانوني والدستوري ملزماً للدولة العراقية، تماماً كما جرى مع اتفاقية الملاحة لعام 2012.
غياب النشر في الجريدة الرسمية: يفرص القانون العراقي نشر جميع القوانين والاتفاقيات والمعاهدات في الجريدة الرسمية (الوقائع العراقية) لتدخل حيز التنفيذ وتكتسب الصفة الإلزامية. وبقاء البروتوكول سرياً ومكتوماً يجعله مجرد تفاهم إداري مؤقت بين قادة عسكريين سابقين، ولا يمكن بحال من الأحوال اعتباره وثيقة أمن قومي تُلزم الحكومات المتعاقبة أو تقيد صلاحيات القوة البحرية في حماية مواطنيها.
انتفاء صفة التكافؤ (اتفاقية إذعان) : تُبنى الاتفاقيات الدولية على مبدأ المعاملة بالمثل والتكافؤ بين الدول السيادية. إن منح البروتوكول للجانب الكويتي حق إطلاق النار المباشر واستخدام القوة المفرطة ضد صيادين عزل، مقابل شلل تام للبحرية العراقية، يحوله من اتفاق تعاون أمني إلى وثيقة إذعان تسقط قانونياً بانتفاء ظروف القهر والضعف التي صِيغت في ظلها (خروج العراق من البند السابع).
ثامناً: الاستشراف المستقبلي – السيناريوهات البديلة لمآلات الأزمة
بناءً على المعطيات الهيكلية المذكورة، والتشظي المؤسساتي الداخلي، وتوازن القوى الإقليمي والدولي المحيط بخور عبد الله، يتأرجح مستقبل المنطقة في ظل أزمة تموز 2026 بين ثلاثة سيناريوهات محتملة مصاغة وفق منهجية التنبؤ الاستراتيجي:
السيناريو الأول: سيناريو المنطقة الرمادية وحرب الظل البحرية
في هذا السيناريو، تلتزم حكومة رئيس الوزراء علي الزيدي بالمسار الدبلوماسي التقليدي والتهدئة عبر اللجان الفنية، وترفض التصعيد الرسمي مع الكويت استجابة للضغوط الأمريكية والخليجية. وفي المقابل، يستمر خفر السواحل الكويتي في تطبيق بروتوكول 2008 بالحديد والنار والتشدد في مطاردة الصيادين. نتيجة لذلك، وأمام استمرار الاحتقان الشعبي وإضراب مرسى النقعة، تخرج الأمور عن سيطرة الدولة؛ فتقوم الفصائل المسلحة بتنفيذ وعيدها بـصولة تأديب المعتدين عبر عمليات غير متناظرة وهجمات هجينة (Hybrid Attacks)، تشمل استهداف الزوارق العسكرية الكويتية، أو القواعد البحرية في جزيرة بوبيان، أو ناقلات النفط المتوجهة للموانئ الكويتية باستخدام طائرات مسيرة انتحارية مجهولة الهوية أو زوارق مفخخة مسيرة عن بعد، دون إعلان رسمي عن التبني.
تداعيات السيناريو هذا هو تحول خور عبد الله وشمال الخليج العربي إلى منطقة خطر ملاحي عالية الحساسية، مما يؤدي إلى ارتفاع حاد في تكاليف التأمين البحري على السفن، وشلل حركة التجارة والملاحة الدولية في موانئ البلدين، ويهدد بشكل مباشر مشروع ميناء الفاو الكبير وميناء مبارك الكبير الكويتي، ويدخل العراق في نفق مظلم من التوتر الدبلوماسي والمالي مع المنظومة الدولية والخليجية.
​درجة الاحتمالية حدوث عالية جداً، نظراً لتوفر الإرادة والقدرة العسكرية لدى الفصائل، ووجود حاضنة شعبية غاضبة وباحثة عن الانتقام لدم الشهيد نجم في البصرة.
السيناريو الثاني: سيناريو المسكنات المؤقتة وتأجيل الانفجار
ينجح المسار الحكومي الدبلوماسي، عبر التدخل المباشر لوزير الخارجية فؤاد حسين والوفد المرافق له ومحافظ البصرة أسعد العيداني، في التوصل إلى تفاهمات أمنية بروتوكولية مؤقتة مع الجانب الكويتي برعاية ومباركة خليجية وأمريكية. تتضمن هذه التفاهمات مراجعة وتعديل قواعد الاشتباك ميدانياً، حيث تتعهد الكويت بوقف استخدام السلاح الحي والرمي المباشر بالرصاص على قوارب الصيد والاكتفاء بآليات الاحتجاز القانوني والتسليم الرسمي عبر القنوات البحرية للبلدين، مقابل تعهد الحكومة العراقية (وزارة الداخلية والقوة البحرية) بتشديد الرقابة الأصولية على الصيادين، ومنعهم من اقتراب العوامات أو تجاوز الحدود المرسومة دولياً، وإلزامهم بحمل الهويات الرسمية.
تداعيات السيناريوهذا هو عودة الهدوء النسبي المؤقت للمنطقة، انتهاء إضراب مزاد الفاو للأسماك وعودة البحارة إلى البحر تحت شروط أمنية مشددة، وامتصاص احتقان الشارع البصري وتفويت الفرصة على الفصائل للتصعيد العسكري. غير أن هذا السيناريو يكتفي بعلاج الأعراض السطحية للأزمة مع الإبقاء على الجذور الهيكلية (بقاء بروتوكول 2008 سارياً، وتعليق ملف ترسيم الحدود البحرية) دون حل جذري.
درجة الاحتماليةالحدوث متوسطة، كونها تمثل مصلحة مشتركة لحكومتي بغداد والكويت لتجنب صدام أوسع، لكنها تبقى مهددة بالانهيار عند أول خرق ميداني جديد في مواسم الصيد القادمة.
السيناريو الثالث: سيناريو التموضع الاستراتيجي السيادي والتدويل القانوني 
مسار السيناريو هو  يقرر صانع القرار العراقي، تحت ضغط قرار المحكمة الاتحادية العليا والاحتقان الشعبي العارم، مغادرة مربع الضعف والمجاملة السياسية، ويتبنى استراتيجية هجومية قانونية وسيادية شاملة تتضمن: 
·       إعلان مجلس النواب العراقي بطلان بروتوكول المبادلة الأمنية لعام 2008 رسمياً وسقوطه قانونياً لعدم دستوريته وسريته، وإبلاغ الجانب الكويتي والأمم المتحدة بذلك رسمياً.
·       إصدار أوامر رسمية للقوة البحرية العراقية بالانتشار الميداني الكثيف وفرض مظلة حماية عسكرية وحراسة مرافقة لزوارق الصيادين العراقيين داخل مياه الخور كأمر واقع.
·       التوجه الفوري نحو المنظمات والمحاكم الدولية، عبر رفع دعوى قضائية عاجلة وبناء ملف قانوني رصين أمام المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) في هامبورغ أو محكمة العدل الدولية، للمطالبة بإعادة النظر في خنق العراق بحرياً وترسيم ممر مائي عادل يراعي قواعد الإنصاف الجغرافي والبيئي للدول ذات السواحل الضيقة والمنغلقة جزئياً وفقاً لاتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS)
تداعيات السيناريو هذ ،اإنهاء الهيمنة البحرية والامتيازات الميدانية التي تتمتع بها الكويت بموجب بروتوكول 2008، وإجبار المجتمع الدولي والمنظومة الخليجية على مغادرة منطق فرض الأمر الواقع بالرصاص والجلوس إلى طاولة مفاوضات جديدة لترسيم الحدود البحرية بعيداً عن قرارات الإذعان السابقة، بما يضمن سيادة العراق وأرزاق مواطنيه.
درجة الاحتماليةالحدوث ، ضعيفة على المدى القصير نظراً للتشظي السياسي الداخلي العراقي وخوف النخب الحاكمة من كلفة التدويل، لكنه يمثل المسار الحتمي والوحيد للحل الجذري المستدام على المدى الاستراتيجي البعيد .
​الخاتمة :
إن دماء العراقي نجم عبد الله في مياه شمال الخليج لم تكن سوى عارض مرئي لأزمة بنيوية عميقة الجذور، كشفت عن حجم الانكشاف السيادي الناجم عن التمسك بالاتفاقيات والبروتوكولات الأمنية السرية الموقعة في لحظات ضعف تاريخي للدولة العراقية. لقد وضعت هذه الحادثة صانع القرار في العراق أمام حقيقة قاسية، وهي أن إدارة ملف الحدود البحرية والمنافذ الحيوية عبر سياسة المجاملات الدبلوماسية واللجان الفنية المؤقتة لم يعد كافياً، بل إنه يقود تدريجياً إلى قضم ما تبقى من حقوق العراق البحرية الحيوية ومحاصرة لقمة عيش مواطنيه. فضلا عن ، التحدي الأكبر الذي يواجه السياسة الخارجية العراقية اليوم لا يقتصر على الضغوط الخارجية أو التشدد الميداني الكويتي، بل يكمن في حالة التشظي المؤسساتي الداخلي؛ حيث يبرز المسار السياسي الموازي القوى الفاعلة خارج إطار المؤسسة العسكرية الرسمية كلاعب يحاول فرض عقيدته القائمة على الردع غير المتناظر والتصعيد الخشن. هذا المسار يسعى إلى سحب بساط الشرعية الأمنية من الدولة عبر استغلال الغليان الشعبي وإضراب مرسى النقعة، مستهدفاً إحراج السلطة التنفيذية وتصويرها بمظهر العاجز عن حماية مواطنيه نتيجة التزاماتها الدبلوماسية.
بناءً على هذه المعطيات، ولمنع انزلاق المنطقة نحو سيناريوهات حرب الظل البحرية أو الاستسلام لواقع الاستنزاف المستمر، يتعين على الدولة العراقية مغادرة مربع رد الفعل والانتقال نحو استراتيجية الهجوم القانوني والدبلوماسي المنظم.
 ولتحقيق هذا الهدف، تُطرح حزمة من التوصيات الاستراتيجية المترابطة، مصنفة وفقاً للأولويات التنفيذية التالية:
1-   الارتكاز القانوني والدستوري (تجريد الطرف الآخر من ذريعة البرتوكول) 
​إعلان بطلان بروتوكول 2008: يتوجب على مجلس النواب العراقي إصدار قرار تشريعي بات يعلن فيه التحلل الكامل من بروتوكول المبادلة الأمنية لعام 2008 واعتباره باطلاً بطلاناً مطلقاً، لعدم استيفائه الشروط الدستورية المنصوص عليها في المادة (61) من الدستور، وخلوه من التصديق البرلماني والنشر في الجريدة الرسمية.
​الأثر المتوخى، سحب الغطاء القانوني والذريعة الأمنية الفضفاضة (مكافحة الأنشطة الإجرامية) التي يستند إليها خفر السواحل الكويتي لتبرير استخدامه الرصاص الحي، وتحويل أي اعتداء كويتي مستقبلي إلى خرق ميداني صريح فاقد لأي شرعية ثنائية.
2-   التموضع الميداني والعسكري (استعادة الاحتكار الرسمي للقوة)
​تعديل قواعد الاشتباك البحرية: إصدار أوامر عليا للقوة البحرية العراقية بفرض تواجد ميداني مستمر ودوريات حماية ومرافقة عسكرية مسلحة (غطاء بحري) لقوارب وصيادي قضاء الفاو في مناطق التماس البحرية وعند العوامات المشتركة .
الأثر المتوخى هو منع استفراد خفر السواحل الكويتي بالصيادين العزل، فرض هيبة الدولة العراقية رسمياً في مياهها الإقليمية، وسحب بساط الذريعة الأمنية من القوى الفاعلة خارج إطار الدولة لمنع أي تصعيد منفلت غير محسوب التكاليف.
     3-التدويل الدبلوماسي والقانوني (الانتقال إلى الهجوم القضائي)
​اللجوء إلى المحاكم الدولية لقانون البحار: تشكيل فريق قانوني ودبلوماسي عراقي رفيع المستوى، يتولى بناء ملف قضائي متكامل لرفع دعوى مستعجلة أمام المحكمة الدولية لقانون البحار (ITLOS) في هامبورغ، للمطالبة بإعادة تقييم حدود الممرات الملاحية في خور عبد الله وفقاً لـ اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار لعام 1982 (UNCLOS). الأثر هو نقل المعركة من مربع الصدام الميداني غير المتكافئ إلى مربع المحاجة القانونية الدولية، مستثمرين قواعد الإنصاف الجغرافي والبيئي للدول ذات السواحل المنغلقة جزئياً، لإجبار المجتمع الدولي والكويت على الاعتراف بالحقوق البحرية والتاريخية للعراق.
​    4-التدابير الاقتصادية والمحلية (تعزيز مرونة الجبهة الداخلية)
​الرعاية والتعويض الفوري: شمول عائلة الصياد الراحل نجم عبد الله بقانون تعويض ضحايا العمليات العسكرية والأخطاء الحربية (قانون رقم 57 لعام 2015)، مع التكفل التام برعاية وعلاج الصياد المصاب ثائر محمد، وتقديم دعم مالي وعيني مباشر لنقابة صيادي الفاو لتطوير وسائل الاتصال والتموضع (GPS) في قواربهم.
الأثر هو لجم حالة الاحتقان والغليان الشعبي في محافظة البصرة، إنهاء إضراب مرسى النقعة وإعادة الروح لمزاد الأسماك، وتعزيز صمود وبقاء المكون البشري العراقي في الفاو باعتباره خط الدفاع السيادي الأول على الأرض.
   5-التوظيف التفاوضي المشروط (ربط المصالح بالسيادة)
​المقايضة الاستراتيجية بالمشاريع الكبرى: تبني السياسة الخارجية العراقية مبدأ ربط الملفات في مفاوضاتها مع الجانب الكويتي؛ بحيث يتم رهن أي تقدم في ملفات التفاهمات السياسية، أو الاستثمارات، أو مشروع الربط السككي التجاري المشترك، بمدى مرونة وتجاوب الكويت في تشكيل لجان نهائية لحسم ترسيم الحدود البحرية وتحديد مناطق صيد مشتركة وآمنة للبلدين. الأثر من ذلك  هو استثمار أوراق القوة الاقتصادية والجغرافية التي يمتلكها العراق بحكم موقعه كبوابة برية حيوية، لتحويلها إلى مكاسب سيادية بحرية عادلة تضمن استقرار الملاحة وتمنع تكرار الأزمات على المدى الاستراتيجي البعيد.
 

 

 

 

 




 
2026-07-14 01:32 AM118