من الإصلاح الداخلي إلى الشراكة الخارجية: معادلة العراق الاستراتيجية مع واشنطن
الباحث: هيثم عبدالله ضاحي العلواني
عضو الهيئة العامة للجمعية العراقية للعلوم السياسية
لم تكن عملية "صولة الفجر"، التي أطلقتها حكومة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي في الثامن والعشرين من حزيران/يونيو 2026، مجرد حملة أمنية لملاحقة عدد من المتهمين بالفساد المالي والإداري، بقدر ما مثّلت إعلاناً سياسياً عن محاولة استعادة هيبة الدولة في مواجهة شبكات المصالح التي ترسخت داخل مؤسساتها واستنزفت مواردها وأضعفت ثقة المواطنين بها، فقد جاءت العملية في سياق داخلي تتزايد فيه المطالب الشعبية بإخضاع المسؤولين، بصرف النظر عن مواقعهم وانتماءاتهم، لسلطة القانون، وإنهاء حالة الإفلات من العقاب التي مثّلت، طوال سنوات، إحدى أبرز العقبات أمام بناء الدولة العراقية الحديثة، وأعلنت الحكومة في مراحل العملية الأولى إلقاء القبض على واحد وعشرين متهماً، إلى جانب ملاحقة آخرين، مؤكدة ارتباط الإجراءات بالتحقيقات والسياقات القضائية واسترداد الأموال العامة.
وتكتسب "صولة الفجر" أهميتها السياسية من كونها تجاوزت في خطابها المعلن التعامل مع الفساد بوصفه مجموعة مخالفات فردية متفرقة، لتطرحه باعتباره تحدياً بنيوياً يمس قدرة الدولة على أداء وظائفها الأساسية، فالفساد في الحالة العراقية لا يؤدي إلى هدر المال العام فحسب، وإنما يضعف المؤسسات، ويشوه بيئة الاستثمار، ويقوض تكافؤ الفرص، ويحد من قدرة الحكومة على تنفيذ سياساتها الاقتصادية والاجتماعية ومن ثم، فإن نجاح العملية لا ينبغي أن يُقاس بعدد الاعتقالات أو حجم الأموال المستردة وحدهما، بل بمدى تحولها إلى مسار مؤسسي دائم، تحكمه ضمانات القضاء، وشفافية الإجراءات، والمساواة أمام القانون، بعيداً عن الانتقائية أو التوظيف السياسي، وقد أكدت الحكومة أن الحملة تستند إلى آليات قضائية وتكامل بين السلطات المعنية، وأنها لا تتوقف عند صفة المتهم أو موقعه السياسي، وهي مبادئ تظل قيمتها مرتبطة بمدى ترجمتها عملياً واستمرارها بمرور الوقت.
وفي هذا الإطار، لا تبدو العلاقة بين "صولة الفجر" ومستقبل الشراكة العراقية–الأمريكية علاقة بعيدة أو مفتعلة؛ إذ إن قدرة العراق على إعادة صياغة علاقاته مع واشنطن، ونقلها من التعاون الأمني المحدود إلى شراكة سياسية واقتصادية وتكنولوجية أوسع، ترتبط مباشرة بمستوى الإصلاح الداخلي الذي تستطيع الدولة تحقيقه فالولايات المتحدة، مثل غيرها من الشركاء الدوليين، تنظر إلى استقرار المؤسسات، وسيادة القانون، وشفافية التعاقدات، وحماية الاستثمارات، بوصفها شروطاً أساسية لبناء تعاون اقتصادي طويل الأمد ولذلك، فإن مكافحة الفساد ليست شأناً داخلياً منفصلاً عن السياسة الخارجية، وإنما تمثل جزءاً من قدرة العراق على تعزيز موقعه التفاوضي، وجذب الشركات والاستثمارات، وتقليل اعتماده على العلاقات الأمنية والعسكرية وحدها.
لقد كشفت زيارة رئيس الوزراء علي الزيدي إلى واشنطن ولقاؤه الرئيس الأمريكي دونالد ترمب في الرابع عشر من تموز/يوليو 2026 عن توجه نحو إعادة مناقشة طبيعة العلاقة بين البلدين ومستقبل الوجود والتعاون الأمريكي في العراق، كما تزامنت الزيارة مع تحركات اقتصادية واتفاقات مع شركات أمريكية، بما يعكس محاولة لتوسيع مضمون العلاقة الثنائية خارج الإطار العسكري التقليدي، غير أن نجاح هذا التحول سيظل مرهوناً بقدرة الحكومة العراقية على توفير بيئة داخلية مستقرة وقابلة للثقة؛ إذ لا يمكن بناء شراكة اقتصادية متقدمة في ظل مؤسسات مخترقة بالفساد، ولا يمكن تحقيق استقلال القرار الخارجي من دون دولة قادرة على إدارة مواردها وحماية قوانينها وفرض المساءلة على مسؤوليها.
من هنا، تمثل "صولة الفجر" نقطة انطلاق مناسبة لفهم المعادلة الاستراتيجية التي تواجه العراق اليوم؛ فكلما نجحت بغداد في إصلاح الداخل، وتعزيز استقلال القضاء، واسترداد المال العام، وتحسين الحوكمة وبيئة الاستثمار، ازدادت قدرتها على إقامة علاقة أكثر توازناً وندية مع واشنطن، أما إذا بقيت مكافحة الفساد في حدود الحملات المؤقتة أو الإجراءات الانتقائية، فإن العراق سيظل أضعف من أن يحول الدعم الخارجي إلى شراكة مستدامة تخدم مصالحه الوطنية. وعلى هذا الأساس، أن إصلاح العلاقة العراقية–الأمريكية لا يبدأ من البيت الأبيض وحده، وإنما يبدأ أولاً من بغداد؛ من داخل مؤسسات الدولة، ومن قدرتها على حماية المال العام، وتطبيق القانون، واستعادة ثقة المجتمع والشركاء الدوليين على حد سواء.
حيث شكلت الجولة الخارجية الأولى لرئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي محطةً مفصلية في إعادة رسم ملامح السياسة الخارجية العراقية بعد إطلاق مشروع الإصلاح الداخلي ومكافحة الفساد فبعد أيام من بدء عملية "صولة الفجر" ، توجّه الزيدي إلى الولايات المتحدة بدعوة رسمية من الإدارة الأمريكية، في زيارة عكست رغبة متبادلة في فتح صفحة جديدة في العلاقات الثنائية، تقوم على توسيع مجالات التعاون السياسي والاقتصادي والاستثماري، وعدم حصر العلاقة في الجوانب الأمنية والعسكرية وأسفرت الزيارة عن توقيع عدد من الاتفاقيات ومذكرات التفاهم، ولاسيما في مجالات الطاقة والاستثمار والبنية التحتية، كما شهدت لقاءات مع كبار المسؤولين الأمريكيين ورجال الأعمال، في مؤشر إلى توجه الطرفين نحو إعادة تعريف الشراكة العراقية–الأمريكية على أسس اقتصادية وتنموية أكثر اتساعاً.
ولم تقتصر أهمية الزيارة على مضمون الاتفاقيات الموقعة، بل امتدت إلى الرسالة السياسية التي حملتها؛ إذ سعت الحكومة العراقية إلى التأكيد أن استعادة هيبة الدولة في الداخل، عبر مكافحة الفساد وتعزيز سيادة القانون، تشكل المدخل الطبيعي لاستقطاب الاستثمارات الأجنبية وبناء شراكات استراتيجية قائمة على الثقة ومن هذا المنطلق، بدا أن بغداد تحاول الانتقال من موقع الدولة التي تطلب الدعم الخارجي إلى موقع الدولة التي تمتلك مشروعاً إصلاحياً يجعلها شريكاً موثوقاً وقادراً على الوفاء بالتزاماته الدولية، كما برز في الخطاب الرسمي توجه واضح نحو تحويل العلاقات مع واشنطن من إدارة الأزمات إلى بناء الفرص الاقتصادية والاستثمارية، بما ينسجم مع احتياجات العراق في مرحلة إعادة بناء الاقتصاد وتنويع مصادر التنمية.
لا يمكن النظر إلى زيارة رئيس مجلس الوزراء العراقي علي فالح الزيدي إلى الولايات المتحدة بوصفها حدثاً بروتوكولياً عابراً أو مجرد محطة جديدة في تاريخ العلاقات العراقية–الأمريكية؛ إذ تحمل الزيارة، بما رافقها من تفاهمات واتفاقيات اقتصادية وسياسية، إمكانية تأسيس مرحلة مختلفة في العلاقة بين البلدين غير أن القيمة الحقيقية لهذه الزيارة لن تُقاس بعدد اللقاءات التي عُقدت أو الاتفاقيات التي وُقعت، وإنما بمدى قدرة الحكومة العراقية على تحويل نتائجها إلى مشروعات واقعية تنعكس على الاقتصاد الوطني، والخدمات العامة، وفرص العمل، وكفاءة مؤسسات الدولة.
ويشير المسار الذي تبنته الحكومة، بدءاً من إطلاق «صولة الفجر» لمكافحة الفساد، وصولاً إلى فتح قنوات تعاون اقتصادي واستثماري أوسع مع واشنطن، إلى إدراك متزايد بأن قوة السياسة الخارجية العراقية لا تنفصل عن قوة مؤسسات الدولة في الداخل فالعراق الذي ينجح في ضبط موارده، وملاحقة شبكات الفساد، وحماية المستثمرين، وتطبيق القانون على الجميع، سيكون أكثر قدرة على التفاوض مع الولايات المتحدة من موقع الشريك، لا من موقع الدولة التي تعتمد بصورة دائمة على المساعدات والدعم الخارجي.
ومن المتوقع أن تفتح الزيارة، إذا أُحسن استثمار نتائجها، المجال أمام انتقال العلاقات العراقية–الأمريكية من الطابع الأمني والعسكري الذي هيمن عليها منذ عام 2003 إلى شراكة متعددة الأبعاد تشمل الطاقة، والتكنولوجيا، والتعليم، والصحة، والبنية التحتية، وتطوير القطاع الخاص ويمكن لهذا التحول أن يساعد العراق على تنويع اقتصاده، وتقليل اعتماده على الإيرادات النفطية، والاستفادة من الخبرات والشركات الأمريكية في تنفيذ المشروعات الاستراتيجية، شريطة أن تتم هذه الشراكات وفق قواعد واضحة تحفظ السيادة العراقية وتضمن توزيعاً عادلاً لمنافعها.
ومع ذلك، تواجه نتائج الزيارة جملة من التحديات؛ في مقدمتها احتمال تعطيل الاتفاقيات بفعل البيروقراطية والفساد، أو إدخالها في دائرة التنافس السياسي الداخلي، أو تأثرها بالخلافات الإقليمية والدولية كما أن استمرار الشراكة مع واشنطن يتطلب من بغداد القدرة على بناء موقف وطني متماسك بشأن طبيعة هذه العلاقة وحدودها وأولوياتها، بما يمنع تحولها إلى موضوع للصراع بين القوى السياسية، ويجعلها جزءاً من سياسة دولة مستقرة، لا سياسة حكومة مؤقتة تتغير بتغير الأشخاص والظروف.
وفي المقابل، يقع على الولايات المتحدة أيضاً دور أساسي في إنجاح هذا المسار، من خلال التعامل مع العراق بوصفه دولة ذات سيادة ومصالح وطنية مستقلة، وليس مجرد ساحة لمواجهة خصومها الإقليميين، فالشراكة المستدامة لا يمكن أن تقوم على الضغوط الأمنية وحدها، وإنما تحتاج إلى دعم بناء المؤسسات، ونقل التكنولوجيا، وتشجيع الاستثمار، ومساندة الإصلاحات الاقتصادية والإدارية، مع احترام التوازنات الداخلية العراقية وعدم التدخل في خياراته السيادية.
وعلى المدى المتوسط، يمكن أن تؤدي الزيارة إلى بناء نموذج جديد للعلاقات الثنائية، يقوم على مبدأ «المصالح المتبادلة مقابل الالتزامات المتبادلة» فالعراق يوفر موقعاً استراتيجياً، وسوقاً اقتصادية واسعة، وموارد طبيعية مهمة، ودوراً محورياً في استقرار المنطقة، في حين تستطيع الولايات المتحدة تقديم التكنولوجيا والاستثمارات والخبرات المؤسسية التي يحتاج إليها العراق، غير أن تحقيق هذا النموذج يتطلب إنشاء آلية عراقية دائمة لمتابعة الاتفاقيات، وتحديد جداول زمنية لتنفيذها، ونشر تقارير دورية عن نسب الإنجاز، وإخضاع المشروعات للرقابة المالية والبرلمانية، بما يمنع بقاء نتائج الزيارة في حدود البيانات السياسية.
أما على المدى البعيد، فقد تمثل الزيارة بداية انتقال العراق من سياسة الاستجابة للأزمات إلى سياسة بناء الشراكات الاستراتيجية ويتوقف ذلك على قدرة القيادة العراقية على الحفاظ على استقلال القرار الوطني، وتحقيق التوازن بين علاقاتها الخارجية، وعدم السماح لأي شريك دولي بالهيمنة على خياراتها فالعلاقة الناجحة مع واشنطن لا ينبغي أن تكون بديلاً عن علاقات العراق العربية والإقليمية والدولية، وإنما جزءاً من شبكة متوازنة من الشراكات التي تعزز مكانته وتوسع هامش حركته الدبلوماسية والاقتصادية.
وبناءً على ذلك، فإن السيناريو الأكثر إيجابية يتمثل في نجاح الحكومة في تحويل الاتفاقيات إلى استثمارات ومشروعات حقيقية، وربطها بإصلاحات داخلية تضمن النزاهة والشفافية، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع ثقة المجتمع الدولي بالعراق وتعزيز مكانته السياسية والاقتصادية، أما السيناريو السلبي، فيتمثل في عودة الاتفاقيات إلى مصير تفاهمات سابقة تعطلت بسبب الفساد والانقسام السياسي وضعف المتابعة، الأمر الذي قد يؤدي إلى تراجع الثقة وتبديد الفرصة التي أتاحتها الزيارة.
وبين هذين السيناريوهين، ستتحدد حصيلة الزيارة وفق ما ستقوم به بغداد فالنجاح الدبلوماسي لا يكتمل في قاعات الاجتماعات، بل يبدأ عند تحويل التعهدات إلى قرارات، والقرارات إلى مشروعات، والمشروعات إلى نتائج ملموسة في حياة المواطنين، ومن هنا، فإن زيارة علي الزيدي إلى الولايات المتحدة يمكن أن تشكل نقطة تحول في مكانة العراق الدولية، لكنها تظل فرصة مشروطة باستمرار الإصلاح الداخلي، وترسيخ سيادة القانون، ومأسسة العلاقة مع واشنطن، وتقديم المصلحة الوطنية العراقية على الحسابات الحزبية والفئوية الضيقة.
إن المعادلة الاستراتيجية الجديدة للعراق لا تقوم على الاختيار بين الداخل والخارج، بل على الربط العضوي بينهما: فكل إصلاح يتحقق في بغداد يعزز قدرة العراق على التفاوض في واشنطن، وكل شراكة خارجية ناجحة ينبغي أن تتحول إلى قوة اقتصادية ومؤسسية تدعم الدولة العراقية في الداخل ولذلك، فإن مستقبل العلاقات العراقية–الأمريكية لن تحدده الزيارة وحدها، بل ستحدده قدرة العراق على إثبات أن مرحلة جديدة قد بدأت فعلاً؛ مرحلة الدولة القادرة على حماية مواردها، وتنفيذ التزاماتها، وبناء شراكاتها الدولية من موقع السيادة والثقة والمصلحة المتبادلة.