حين تُختَطَفُ العقول قبل الأوطان: كيف نبني مناعة مجتمعية أمام التأثير الرقمي؟

حين تُختَطَفُ العقول قبل الأوطان: كيف نبني مناعة مجتمعية أمام التأثير الرقمي؟
م.د. سيف ضياء دعير
عضو الهيئة الإدارية للجمعية العراقية للعلوم السياسية
في صباح عادي، قد يغيّر مقطع مدته ثلاثون ثانية مزاج مدينة، ويشعل نقاشاً عاماً ، ويضغط على قرار سياسي، قبل أن يتأكد أحد من صحته؛ لم يعد هذا استثناءً في زمن المنصات، بل صار قاعدة "التأثير الرقمي" لا ينتظر اكتمال الحقيقة، لأنه يعمل بسرعة أعلى من قدرة المجتمع على التحقق، وهنا تكمن المشكلة ، إذ لم تعد المعركة بين “خبر صحيح” و“خبر كاذب”، بل بين بنية هجومية تعرف كيف تعيد تشكيل الإدراك الجمعي، وبين مجتمع إن لم يمتلك مناعة معرفية ومؤسسية سيُدار من حيث لا يشعر.
التأثير الرقمي اليوم ليس دعاية تقليدية بثوب إلكتروني، ولا حملة اتصالية تنتهي بانتهاء المناسبة؛إنه منظومة متعددة الطبقات تستثمر الخوارزميات، وعلم النفس الاجتماعي، والاقتصاد الانتباهي، وثغرات التنظيم، لتصنع أثراً تراكمياً :إضعاف الثقة بالمؤسسات، تعميق الاستقطاب، إرباك القدرة على التمييز، ثم دفع الناس إلى قرارات انفعالية يشعرون أنها “اختيارهم الحر” بينما هي نتيجة هندسة دقيقة لمسار الانتباه؛ لذلك فإن الاستجابة لم تعد شأناً تقنياً أو إعلامياً فحسب، بل أصبحت سؤالاً سيادياً: كيف نحمي المجال العام من الاختراق من دون أن نحوله إلى فضاء مراقبة يُفرغ الديمقراطية من معناها؟
المدخل الواقعي يبدأ بالاعتراف بأن التهديد (تكيفي)؛ يتغير أسرع من اللوائح، ويتحايل على الحظر، ويستبدل الأداة بالأداة، لهذا لا تصلح له حلول دفاعية جزئية من نوع “حذف المحتوى” أو “تصحيح الشائعة” بعد انتشارها، نحن بحاجة إلى مقاربة أعمق يمكن تسميتها (المرونة الاستراتيجية) : دورة مستمرة من الوقاية والكشف والاستجابة والتعافي والتعلّم، بمعنى آخر: بناء قدرة مجتمعية لا تتعطل عند أول موجة تضليل، ولا تُصاب بالذعر عند كل حملة، بل تتعلم وتتكيف وترفع جاهزيتها مع الزمن وكما يلي :
1. الركيزة الأولى لهذه المرونة هي (التحصين المعرفي) فالتأثير الرقمي يستهدف الوعي قبل الموقف، ويخترق الإدراك قبل السلوك، وهنا يظهر مفهوم “التلقيح المعرفي” بوصفه أكثر الأدوات فاعلية: بدل مطاردة التضليل بعد حدوثه، يجري تدريب الجمهور مسبقاً على التعرف إلى تقنيات التلاعب نفسها الاستقطاب العاطفي، انتحال الهوية، التآمرية، التشويه، الإغراق المعلوماتي بما يخلق “مناعة” إدراكية تعمل تلقائياً عند التعرض لاحقاً للمحتوى المضلل، وقد برهنت تجارب المحاكاة والألعاب التفاعلية والمقاطع التلقيحية القصيرة أن دقائق محدودة من هذا النوع من التدريب قد تُحسن قدرة المتلقي على كشف الخداع وتقليل التأثر به إنها نقلة من “تصحيح بعدي” متأخر، إلى “وقاية” تُسبق الضربة.
2. الركيزة الثانية هي إعادة تعريف (محو الأمية الإعلامية والرقمية): المشكلة ليست في أن المواطن لا يعرف كيف يميّز بين موقع رسمي وآخر مجهول فحسب؛ بل في أن كثيرين لا يدركون أن منصاتهم ليست حيادية، ما يظهر في الخط الزمني ليس صورة طبيعية للعالم، بل نتاج انتقاء خوارزمي يرتبط بمنطق اقتصادي يكافئ الإثارة، ويضخم الانفعال، ويعيد تدوير المحتوى المستقطِب لأنه يطيل زمن البقاء ويزيد التفاعل؛ لذلك تصبح “الأمية الرقمية” خللاً بنيوياً في القدرة على الحكم الرشيد، المواطن المحصن لا يسأل فقط: هل الخبر صحيح؟ بل يسأل أيضاً : لماذا يُقدم لي بهذه الصياغة الآن؟ من المستفيد من هذا الإطار؟ وما الذي تم إبرازه وما الذي تم إخفاؤه؟
غير أن الوعي وحده لا يكفي حين يتحول التأثير الرقمي إلى ظاهرة تؤثر في المجال العام، تصبح المواجهة مسألة (حوكمة)، هنا تبرز معضلة دقيقة: كيف نضبط الشروط التي تسمح للتضليل بالانتشار دون أن ننزلق إلى قمع التعبير؟ الاتجاه الأكثر نضجاً عالمياً هو الانتقال من رقابة المحتوى إلى (التنظيم البنيوي): إلزام المنصات بتقييم المخاطر النظامية التي تنتجها خوارزمياتها، وتعزيز الشفافية، وضبط الإعلان السياسي الرقمي، ومكافحة السلوك التلاعبي المنسق، فالخطر لا يأتي من منشور فردي بقدر ما يأتي من تصميم يجعل المحتوى الاستقطابي أسرع انتشاراً وأكثر حضوراً من المحتوى المتزن؛ ثم تأتي التكنولوجيا بوصفها ساحة الاشتباك الثالثة، فالذكاء الاصطناعي بات جزءًا أساسياً من الهجوم عبر إنتاج النصوص والصور والفيديوهات والتزييف العميق وتشغيل شبكات التضخيم، لكنه يمكن أن يكون جزءًا من الدفاع عبر أنظمة كشف السلوك غير الأصيل المنسق، وآليات التوثيق عند المصدر، وإدخال "احتكاك" تصميمي يبطئ الانتشار الاندفاعي ويمنح المستخدم لحظة تفكير قبل المشاركة، ليست الفكرة في إبطاء العالم، بل في إبطاء الانفعال الذي تتحول معه الإشاعة إلى حقيقة اجتماعية قبل أن تصبح حقيقة واقعية.
في النهاية….
لا تُبنى المناعة الرقمية بأداة واحدة، إنها (نظام طبقات): فرد يمتلك أدوات إدراكية، مؤسسة تعليمية تنتج ذاكرة معرفية طويلة الأمد، مجتمع مدني يراقب ويتحقق ويصحح، منصات مسؤولة وشفافة، دولة تضع إطاراً تنظيمياً شرعياً لا رقابياً ، وتعاون دولي يواجه تهديداً عابراً للحدود، ووسط ذلك كله، تبقى الحقيقة الكبرى: المناعة ليست “نتيجة” تُنجز مرة وتُترك، بل عملية تعلم مستمر، كل حملة تضليل يجب أن تتحول إلى درس مؤسسي، وكل اختراق إلى فرصة لإغلاق الثغرات وتعزيز الجاهزية؛ فإذا كان القرن الماضي صراعاً على الأرض والموارد، فإن أحد صراعات هذا القرن هو صراع على (شروط الإدراك): هل يبقى المجتمع قادراً على الفهم والتمييز واتخاذ القرار بحرية ووعي، أم يصبح ساحة تُدار بانتباهه من خلف شاشة؟ هنا تحديداً تبدأ معركة الأمن المعاصر: (أمنُ الوعي، قبل أمن الحدود).