عودة الوساطة الأمريكية في الحرب الأوكرانية: هل تقترب التسوية أم يُعاد توزيع المكاسب التفاوضية؟
عودة الوساطة الأمريكية في الحرب الأوكرانية: هل تقترب التسوية أم يُعاد توزيع المكاسب التفاوضية؟
م.م. نور نبيه جميل
عضو الهيئة الإدارية في الجمعية العراقية للعلوم السياسية
تدريسية في كلية العلوم السياسية جامعة بغداد
المقدمة:
شهد مسار الحرب الروسية–الأوكرانية خلال 4–٦ أيلول/سبتمبر 2026 تحركاً دبلوماسياً أمريكياً جديداً أعاد المفاوضات إلى واجهة إدارة الصراع، تمثل في انتقال المبعوثين الأمريكيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر بين موسكو وكييف، بعد اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في موسكو في 5 أيلول، أعقبه انتقالهما إلى كييف في 6 أيلول للقاء الرئيس فولوديمير زيلينسكي. وعلى الرغم من اللغة الإيجابية التي استخدمتها الأطراف في وصف الاجتماعات، لم يصدر حتى 7 أيلول ما يؤكد حدوث اختراق جوهري في القضايا التي حالت دون التوصل إلى تسوية، كما ظل الكرملين يتعامل بحذر مع احتمال استئناف المفاوضات، في وقت أكدت فيه كييف أهمية الضمانات الأمنية واستمرار قدرتها الدفاعية في أي ترتيبات مستقبلية. وبذلك فإن التطور الأبرز لا يتمثل في اقتراب نهاية الحرب بقدر ما يتمثل في انتقال واشنطن مجدداً إلى موقع أكثر نشاطاً في إدارة التفاعل بين موسكو وكييف.
وتشير القراءة الاستراتيجية إلى أن إعادة تنشيط القناة الدبلوماسية لا تعني بالضرورة حدوث تحول مماثل في بنية الصراع؛ فالعوامل التي تحدد مواقف الأطراف ما تزال قائمة، وفي مقدمتها الخلاف حول الأراضي، ومستقبل القدرات العسكرية الأوكرانية، والضمانات الأمنية، وشكل العلاقة المستقبلية بين أوكرانيا والغرب. وتكمن المفارقة في أن المسار الدبلوماسي يجري بالتوازي مع استمرار استخدام القوة العسكرية، بما يعني أن التفاوض لا يزال جزءاً من عملية الصراع على المكاسب وليس بديلاً عنها. ومن ثم فإن التقدير الأكثر ترجيحاً هو استمرار المسار التفاوضي مع إمكانية تحقيق تفاهمات جزئية أو إجراءات محدودة لخفض التصعيد، دون أن يعني ذلك اقتراب تسوية نهائية في المدى القصير. ويظل العامل الحاسم في تغيير هذا التقدير هو قدرة الولايات المتحدة على تحويل نفوذها السياسي والاقتصادي والعسكري إلى ضغط فعلي يغير حسابات تكلفة الحرب لدى روسيا، بالتوازي مع توفير ضمانات مقنعة لأوكرانيا تمنع تحول وقف إطلاق النار إلى اختلال دائم في ميزان القوة.
أولاً: خلفية التطور ومحدداته
جاء التحرك الأمريكي الجديد في سياق اتسم باستمرار الحرب رغم فترات التهدئة والمحاولات التفاوضية السابقة، الأمر الذي دفع إدارة ترامب إلى إعادة تنشيط الاتصالات المباشرة مع موسكو وكييف. وفي 4 أيلول، أعلن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب توجه مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر إلى روسيا ثم أوكرانيا لبحث مقترحات جديدة تتعلق بإنهاء الحرب. وقد اكتسبت الزيارة أهميتها من كونها لم تقتصر على طرف واحد، بل اتخذت شكل حركة دبلوماسية متزامنة بين موسكو وكييف، بما يعكس محاولة أمريكية لإبقاء قنوات الاتصال مفتوحة مع الطرفين في آن واحد. وفي 5 أيلول، استقبل بوتين المبعوثين الأمريكيين في موسكو في اجتماع استمر أكثر من ثلاث ساعات، وصفته موسكو بأنه مفيد، فيما لم تكشف الأطراف بصورة تفصيلية عن طبيعة التنازلات أو المقترحات التي جرى تداولها. وفي اليوم التالي انتقل الوفد الأمريكي إلى كييف، حيث أجرى محادثات مع زيلينسكي بحضور مسؤولين أوروبيين في جزء من الاجتماعات، الأمر الذي يعكس إدراكاً أمريكياً وأوروبياً بأن أي ترتيبات تتعلق بمستقبل أوكرانيا لا يمكن فصلها تماماً عن بنية الأمن الأوروبي.
غير أن قراءة هذا التطور بوصفه بداية مباشرة لنهاية الحرب تتجاوز ما تسمح به المعطيات المتاحة. فالتحول المؤكد هو في درجة النشاط الدبلوماسي الأمريكي، وليس في مواقف الأطراف الأساسية من جوهر التسوية. فما تزال موسكو تربط التسوية بما تسميه معالجة «الأسباب الجذرية» للصراع، في حين تركز كييف على ضرورة الحصول على ضمانات أمنية موثوقة والحفاظ على قدرة عسكرية تسمح لها بمنع تكرار الحرب مستقبلاً. وفي الوقت نفسه، تستمر العمليات العسكرية والهجمات بعيدة المدى، وهو ما يشير إلى أن الأطراف لم تنتقل بعد من منطق تحسين الموقع بالقوة إلى منطق التسوية السياسية الكاملة. لذلك ينبغي فهم التحرك الحالي بوصفه محاولة لإعادة ترتيب العملية التفاوضية وليس دليلاً قائماً بذاته على تغير موازين القوة.
ثانياً: جوهر المشكلة الاستراتيجية
تكمن المشكلة الاستراتيجية الأساسية في الفجوة بين وظيفة المفاوضات بالنسبة إلى الولايات المتحدة وبين وظيفتها بالنسبة إلى روسيا وأوكرانيا. فالولايات المتحدة تبدو معنية بتحويل الحرب من مسار استنزاف مفتوح إلى مسار سياسي يمكن التحكم بمخرجاته، بينما لا تزال روسيا تنظر إلى المفاوضات باعتبارها امتداداً للصراع على شروط النظام الأمني الذي سينشأ بعد الحرب، في حين تتعامل أوكرانيا معها باعتبارها فرصة للحصول على نهاية للحرب من دون التضحية بقدرتها على البقاء والردع مستقبلاً. ومن هنا فإن الاجتماع الدبلوماسي نفسه لا يحمل المعنى ذاته بالنسبة إلى الأطراف الثلاثة؛ فبالنسبة إلى واشنطن يمثل أداة لاستعادة المبادرة، وبالنسبة إلى موسكو يمثل فرصة لاختبار حدود الاستعداد الأمريكي لتقديم تنازلات أو الضغط على كييف، وبالنسبة إلى أوكرانيا يمثل محاولة لمنع تحول التفاوض الأمريكي–الروسي إلى مسار يتقرر فيه مستقبلها من دون مشاركتها الفعلية.
ويفسر ذلك استمرار التناقض بين النشاط الدبلوماسي والتصعيد العسكري. فكل طرف يحاول تحسين موقعه التفاوضي من خلال الحفاظ على قدرته على استخدام القوة، لأن قيمة التنازل في المفاوضات ترتبط بما يمكن للطرف الآخر أن يفرضه أو يمنعه. ومن منظور الواقعية البنيوية، لا تقاس التسوية فقط بحجم المكاسب التي يحصل عليها كل طرف بصورة مطلقة، وإنما أيضاً بكيفية تغير قدرته النسبية على مواجهة الطرف الآخر بعد التسوية. وهذه النقطة تكتسب أهمية خاصة في الحالة الأوكرانية؛ فقد يكون وقف الحرب مكسباً مطلقاً لكل من روسيا وأوكرانيا، لكن إذا أدى ترتيب ما بعد الحرب إلى تقييد القدرة العسكرية الأوكرانية بصورة دائمة مع احتفاظ روسيا بقدرتها العسكرية، فإن كييف قد ترى في النتيجة اختلالاً نسبياً في ميزان القوة، حتى لو حققت التسوية مكسباً مباشراً يتمثل في إنهاء القتال. ولذلك فإن جوهر المشكلة لا يكمن في الاتفاق على وقف إطلاق النار فقط، وإنما في شكل توزيع القوة الذي سيترتب عليه.
ثالثاً: مصالح الفاعلين وحساباتهم
تسعى روسيا في هذا المسار إلى تحويل ما حققته من مكاسب عسكرية إلى مكاسب سياسية وأمنية طويلة الأجل، مع تجنب تسوية تؤدي إلى إعادة بناء أوكرانيا لقوتها العسكرية من دون قيود. وتمتلك موسكو، في المقابل، قدرة على الاستمرار في استخدام الضغط العسكري، فضلاً عن قدرتها على تحمل تكاليف الصراع لفترة أطول مما تستطيع كييف تحمله في بعض المجالات. إلا أن هذه القدرة لا تعني أن روسيا قادرة على فرض جميع أهدافها بالقوة؛ فاستمرار عدم تحقق اختراق عسكري حاسم، واستمرار قدرة أوكرانيا على الدفاع واستهداف أهداف داخل العمق الروسي، يحدان من إمكانية تحويل القوة العسكرية الروسية إلى انتصار سياسي شامل. ولذلك تبدو المفاوضات بالنسبة إلى موسكو مفيدة ما دامت لا تتطلب منها التخلي عن أدوات الضغط التي يمكن أن تحسن شروطها، وهو ما يجعل استعدادها للتفاوض مختلفاً عن استعدادها للتنازل.
أما أوكرانيا فتواجه معضلة أكثر تعقيداً، لأن استمرار الحرب يفرض عليها تكاليف عسكرية واقتصادية وبشرية متراكمة، بينما يمكن أن يؤدي قبول تسوية غير مدعومة بضمانات أمنية قوية إلى تقليص قدرتها على الردع في المستقبل. ولهذا تركز كييف على أن تكون أي تسوية مرتبطة بضمانات أمنية ودعم عسكري واقتصادي مستمرين، لا بمجرد إعلان سياسي لوقف إطلاق النار. وفي هذا السياق تصبح المحافظة على قوة الجيش الأوكراني جزءاً من عملية التفاوض نفسها، وليس مجرد مطلب عسكري منفصل، لأن كييف تدرك أن قيمة الضمانات الخارجية ترتبط بمدى قدرة الدولة على الدفاع عن نفسها إذا فشلت تلك الضمانات.
وبالنسبة إلى الولايات المتحدة، فإن المصلحة الأساسية تتمثل في إنهاء الحرب أو تقليص تكلفتها الاستراتيجية والسياسية، واستعادة المبادرة الأمريكية في ملف يمثل أحد أبرز اختبارات القوة الأمريكية منذ بداية الحرب. غير أن واشنطن تواجه قيداً أساسياً يتمثل في أن النفوذ لا يتحول تلقائياً إلى قدرة على فرض التسوية؛ إذ تحتاج الإدارة الأمريكية إلى الجمع بين الحوافز والضغوط وإدارة التوازن بين الطرفين، من دون فقدان ثقة كييف أو منح موسكو انطباعاً بأن استمرار الحرب سيؤدي إلى الحصول على تنازلات إضافية. وفي المقابل، تحاول القوى الأوروبية الحفاظ على دورها في تحديد ترتيبات الأمن التي ستنشأ بعد الحرب، لأن أي تسوية لا تتضمن آلية أوروبية واضحة لضمان أمن القارة قد تترك أوروبا أمام خطر استمرار التهديد الروسي حتى بعد توقف العمليات العسكرية الكبرى.
رابعاً: ديناميات القوة والتفاعل الاستراتيجي
تكشف التطورات الأخيرة أن القوة والدبلوماسية تعملان في اتجاهين متداخلين، وليس في مسارين منفصلين. فاستمرار العمليات العسكرية يمنح روسيا وأوكرانيا أدوات ضغط أثناء التفاوض، في حين تمنح الوساطة الأمريكية واشنطن قدرة أكبر على التأثير في حسابات الطرفين. ولذلك فإن السؤال الأكثر أهمية ليس ما إذا كانت الأطراف تتفاوض، وإنما ما إذا كانت المفاوضات تغير عائدات الخيارات المتاحة أمامها. فإذا ظلت كلفة استمرار الحرب بالنسبة إلى روسيا أقل من كلفة تقديم تنازلات جوهرية، فإن الحافز إلى التسوية سيبقى محدوداً. وإذا ظلت كلفة التنازل بالنسبة إلى أوكرانيا أعلى من كلفة استمرار الحرب، خصوصاً إذا كانت الضمانات الأمنية غير كافية، فإن كييف بدورها ستقاوم أي اتفاق تعتبره غير آمن. ومن هنا فإن الوساطة الأمريكية لن تكون فعالة إلا إذا تمكنت من تعديل هذه المعادلة.
وتظهر هنا بوضوح آلية المعضلة الأمنية. فالإجراءات التي تراها أوكرانيا ضرورية لحماية نفسها، مثل الحفاظ على جيش قوي وتعزيز التعاون العسكري مع أوروبا، يمكن أن تنظر إليها موسكو بوصفها تهديداً مستقبلياً، بينما ترى روسيا أن الاحتفاظ بقدراتها العسكرية ضروري لمنع عودة أوكرانيا إلى موقع أقوى بعد وقف إطلاق النار. وهكذا يمكن أن يؤدي سعي كل طرف إلى تعزيز أمنه إلى تقليل أمن الطرف الآخر، بما يعيد إنتاج المعضلة حتى داخل مرحلة التفاوض. ولذلك فإن التسوية المستقرة تحتاج إلى معالجة ليس فقط سؤال من يسيطر على أي أرض؟، وإنما سؤال كيف سيبدو ميزان القوة بعد توقف الحرب؟
ومن هذه الزاوية، فإن المكاسب التفاوضية هي امتداد للمكاسب النسبية التي تحققت في الميدان. فروسيا تسعى إلى ضمان ألا تتحول الهدنة إلى فترة تعيد خلالها أوكرانيا بناء قدراتها بدعم غربي واسع، بينما تسعى كييف إلى ضمان العكس تقريباً؛ أي منع روسيا من استخدام الهدنة لإعادة بناء قوتها ثم استئناف الحرب من موقع أفضل. ولذلك فإن أي اتفاق لا يعالج آلية إعادة توزيع القوة بعد وقف إطلاق النار سيبقى معرضاً لخطر التحول إلى هدنة مؤقتة أكثر من كونه تسوية أمنية مستقرة.
خامساً: الاتجاهات والتداعيات الإقليمية والدولية
إذا استمر التحرك الأمريكي الحالي، فمن المرجح أن يؤدي إلى إعادة تنشيط الدور الأمريكي في إدارة الأمن الأوروبي، لكنه قد لا يعني بالضرورة عودة النموذج السابق للالتزام الأمريكي بأوروبا. فإدارة ترامب قد تنظر إلى إنهاء الحرب باعتباره هدفاً مستقلاً عن إعادة بناء منظومة أمن أوروبي طويلة الأمد، بينما تنظر العواصم الأوروبية إلى أي اتفاق من زاوية مختلفة، تتمثل في ضمان ألا تتحول التسوية إلى فرصة لروسيا لإعادة بناء قوتها ثم اختبار الأمن الأوروبي مرة أخرى. وهذا التباين يمكن أن يصبح أحد أكثر عناصر المرحلة التفاوضية حساسية.
وقد يؤدي ذلك إلى مفارقة استراتيجية؛ إذ إن نجاح وقف إطلاق النار قد يخفض الخطر العسكري المباشر على أوروبا، لكنه في الوقت ذاته قد يزيد الحاجة الأوروبية إلى بناء قدرة دفاعية مستقلة إذا بقيت الولايات المتحدة غير راغبة في تحمل العبء الأمني الأوروبي بالصيغة السابقة. وفي هذه الحالة يمكن أن تكون الحرب الأوكرانية قد أسهمت، حتى بعد نهايتها، في إعادة توزيع أدوار القوة داخل الغرب نفسه، من خلال دفع أوروبا إلى زيادة اعتمادها على قدراتها الذاتية في الردع والدفاع.
أما على مستوى النظام الدولي، فإن نجاح واشنطن في إنتاج تسوية قابلة للحياة سيعزز مكانة الدبلوماسية الأمريكية باعتبارها أداة لإدارة النزاعات الكبرى بين الدول، بينما سيكشف فشلها حدود النفوذ الأمريكي عندما تكون مصالح الأطراف المتصارعة غير قابلة للمساومة بسهولة. والأكثر أهمية أن طبيعة التسوية ستحدد ما إذا كان الصراع قد أنتج مجرد إعادة ترتيب مؤقتة للحدود، أم تحولاً أوسع في قواعد الأمن الأوروبي. فإذا أصبحت التسويات الكبرى تعتمد بصورة متزايدة على تفاهمات مباشرة بين القوى الكبرى، فقد يعزز ذلك منطق إدارة النظام الدولي بواسطة مراكز القوة على حساب الأطر متعددة الأطراف، وهو اتجاه ستكون له انعكاسات تتجاوز الحالة الأوكرانية.
سادساً: اختبار الفرضيات والتفسيرات البديلة
يمكن تفسير التحرك الأمريكي الحالي بثلاث فرضيات رئيسية. تفترض الأولى أن واشنطن اقتربت من اختراق تفاوضي حقيقي، مستندة إلى كثافة الاتصالات، وطول الاجتماع مع بوتين، وانتقال الوفد مباشرة إلى كييف، واللغة الإيجابية الصادرة عن الأطراف. إلا أن هذه الفرضية تواجه مشكلة جوهرية تتمثل في عدم ظهور دليل علني على تغير مواقف الأطراف بشأن القضايا الأساسية، فضلاً عن استمرار العمليات العسكرية وعدم الإعلان عن إطار تفصيلي لاتفاق نهائي. ولذلك فإن النشاط الدبلوماسي يمثل دليلاً قوياً على إعادة تشغيل التفاوض، لكنه لا يمثل دليلاً بالقوة نفسها على إعادة تشكيل شروط التسوية.
أما الفرضية الثانية فتتمثل في أن روسيا تستخدم المسار التفاوضي لتحسين موقعها دون التخلي عن أهدافها الأساسية. وهذه الفرضية أكثر اتساقاً مع استمرار موسكو في استخدام القوة بالتوازي مع التفاوض، ومع تمسكها بمواقفها المتعلقة بمستقبل أوكرانيا الأمني والإقليمي. غير أن ضعف هذه الفرضية يتمثل في أنها تفترض ضمناً أن روسيا لا ترى أي قيمة في إنهاء الحرب، وهو افتراض لا يمكن إثباته؛ فقد تكون موسكو مستعدة لتسوية إذا حصلت على ترتيبات أمنية وسياسية تعتبرها كافية لتعويض تكلفة التنازلات. لذلك فإن الأدلة الحالية تدعم فرضية التفاوض لتحسين الموقع أكثر مما تثبت فرضية رفض التسوية.
وتفترض الفرضية الثالثة أن واشنطن تسعى قبل كل شيء إلى إنتاج وقف إطلاق نار قابل للتسويق السياسي، حتى لو بقيت القضايا البنيوية للصراع معلقة. وتكتسب هذه الفرضية بعض القوة من طبيعة التحرك الأمريكي السريع وتركيزه على إعادة فتح القنوات السياسية، لكنها تظل غير محسومة لأن مضمون المقترح الأمريكي لم يُكشف بصورة تسمح بتحديد ما إذا كان الهدف هو وقف مؤقت للقتال أم تسوية أوسع. وبناءً على المقارنة بين الفرضيات الثلاث، فإن التفسير الأكثر اتساقاً مع المعطيات المتاحة هو أن الولايات المتحدة تحاول اختبار إمكانية نقل الصراع من مرحلة الاستنزاف إلى مرحلة التفاوض الفعلي، بينما تستغل روسيا وأوكرانيا هذه العملية لتحسين شروطهما التفاوضية.
سابعاً: السيناريوهات المحتملة
يتمثل السيناريو الأكثر ترجيحاً في استمرار المسار التفاوضي مع تحقيق تفاهمات جزئية، واحتمال الاتفاق على إجراءات محدودة لخفض التصعيد أو ترتيبات إنسانية أو أمنية دون معالجة فورية لقضايا الأراضي ومستقبل القدرات العسكرية الأوكرانية. ويُقدّر احتمال هذا السيناريو بنحو 55% مع تأثير استراتيجي مرتفع، لأنه يسمح للولايات المتحدة باستمرار الوساطة ويمنح روسيا وأوكرانيا فرصة لاختبار حدود التسوية دون التخلي عن أدوات القوة. وتتمثل مؤشرات اقترابه في تحديد موعد جديد لمحادثات ثلاثية، وظهور مقترحات أمريكية أكثر تفصيلاً، وتوسع النقاش من وقف الضربات إلى الضمانات الأمنية وآليات التنفيذ.
ويتمثل السيناريو البديل في تحقيق اختراق يؤدي إلى وقف إطلاق نار أوسع، ويُقدّر احتمال تحققه بنحو 30% مع تأثير مرتفع جداً. ويتطلب هذا السيناريو حدوث تقارب فعلي بين موسكو وكييف حول آلية وقف القتال، بالتزامن مع صيغة مقبولة للضمانات الأمنية. لكن نجاحه لن يقاس بإعلان وقف إطلاق النار وحده، بل بوجود آليات مراقبة وتنفيذ وردع تمنع استخدام الهدنة لإعادة بناء القوة والاستعداد لجولة جديدة. وإذا افتقد الاتفاق هذه العناصر، فإن احتمالات عودة الصراع ستبقى مرتفعة.
أما السيناريو الثالث، وهو السيناريو عالي الخطورة، فيتمثل في انهيار المسار الدبلوماسي وعودة التصعيد العسكري على نطاق أوسع، ويُقدّر احتمال حدوثه بنحو 15% في المدى القريب، مع تأثير شديد الخطورة. وقد يتحقق إذا عجزت واشنطن عن تقريب المواقف، أو رفضت روسيا أي صيغة لا تتضمن تنازلات أوكرانية جوهرية، أو اعتبرت كييف أن الضمانات المقترحة لا توفر أمناً كافياً. وستكون مؤشرات هذا المسار واضحة في فشل تحديد جولة جديدة من المحادثات، وتصاعد الضربات بعيدة المدى، وتزايد التعبئة العسكرية، وتراجع التنسيق الأمريكي–الأوروبي أو انتقال الخطاب الأمريكي إلى تحميل طرف محدد مسؤولية انهيار المفاوضات.
ثامناً: مؤشرات الإنذار المبكر
تكمن أهمية المرحلة المقبلة في أن مسارها يمكن رصده قبل ظهور نتائجه النهائية. فالإعلان عن جولة ثلاثية جديدة سيشكل مؤشراً إيجابياً على انتقال الوساطة من الاتصالات الاستطلاعية إلى التفاوض المنظم، في حين أن ظهور مقترح أمريكي مكتوب ومفصل سيشير إلى ارتفاع مستوى الجدية. وفي المقابل، سيكون استمرار موسكو في رفض أي صيغة لتجميد القتال من دون ترتيبات تتعلق بالقدرات العسكرية الأوكرانية مؤشراً على استمرار استراتيجية تحسين الموقع قبل التسوية. كما أن زيادة ارتباط الموقف الأوروبي بالمفاوضات، ولا سيما عبر فرنسا وبريطانيا وألمانيا، ستشير إلى محاولة أوروبية لمنع تحول المسار إلى تفاهم أمريكي–روسي منفصل عن مصالح الأمن الأوروبي.
ويكتسب السلوك العسكري أهمية خاصة في قراءة هذه المؤشرات؛ فاستمرار الضربات واسعة النطاق أثناء المفاوضات لا يعني بالضرورة فشلها، لكنه سيشير إلى أن الأطراف ما تزال ترى القوة العسكرية مصدراً مهماً لتحسين شروط التفاوض. أما حدوث انخفاض مستمر وقابل للتحقق في الضربات، مقروناً بإنشاء آلية مراقبة واتصال، فسيكون مؤشراً أقوى بكثير على تغير حقيقي في حسابات الأطراف.
تاسعاً: الحكم التقديري
تشير المعطيات المتاحة حتى 7 أيلول/سبتمبر 2026 إلى أن التحرك الأمريكي يمثل تحولاً مهماً في أسلوب إدارة الحرب، لكنه لم يتحول بعد إلى تحول في بنية الصراع أو في مواقف أطرافه الأساسية. والأرجح بدرجة ثقة متوسطة–مرتفعة أن تستمر المفاوضات خلال المرحلة المقبلة، مع احتمال تحقيق ترتيبات جزئية لخفض التصعيد، بينما تبقى التسوية الشاملة بعيدة نسبياً بسبب استمرار التناقض بين ما تسعى موسكو إلى تثبيته من مكاسب استراتيجية، وما تعتبره كييف الحد الأدنى من متطلبات أمنها، وما تستطيع واشنطن تقديمه أو فرضه على الطرفين. ويظل العامل الأكثر قدرة على تغيير هذا التقدير هو ظهور تنازل روسي موثق في القضايا الجوهرية، مقترناً بضمانات أمنية أمريكية وأوروبية قابلة للتنفيذ؛ ففي هذه الحالة يمكن أن ينتقل المسار من إدارة التفاوض إلى بناء التسوية، أما في غياب ذلك فستظل المفاوضات أداة لإدارة الصراع وتحسين المواقع أكثر من كونها آلية لإنهائه.
عاشراً: التداعيات الاستراتيجية وصانع القرار
تكشف هذه المرحلة أن القيمة الاستراتيجية للتحرك الأمريكي لا ينبغي قياسها بعدد الاجتماعات أو التصريحات الإيجابية، وإنما بقدرته على إعادة تشكيل بنية الحوافز التي تحكم سلوك موسكو وكييف. فإذا بقيت روسيا قادرة على تحقيق مكاسب من استمرار الحرب، وبقيت أوكرانيا ترى أن تكلفة التنازل أكبر من تكلفة مواصلة المقاومة، فإن الوساطة ستظل محدودة الأثر مهما ارتفع مستوى الاتصال الدبلوماسي. أما إذا نجحت واشنطن في تعديل هذه الحسابات من خلال الجمع بين الضغط والحوافز والضمانات، فقد تصبح الوساطة نقطة تحول فعلية.
ومن منظور توازن القوى، فإن القضية الأساسية ليست فقط تحديد الأراضي التي ستبقى تحت سيطرة كل طرف، وإنما تحديد ميزان القوة الذي سيحكم أوروبا بعد الحرب. ولهذا فإن أي تسوية تضعف القدرات الأوكرانية من دون قيود مقابلة على القدرة الروسية قد تنهي الحرب دون أن تنهي المعضلة الأمنية التي أنتجتها. وعلى المستوى الأوروبي، ستدفع هذه النتيجة إلى استمرار إعادة بناء القدرات الدفاعية الأوروبية، وربما إلى إعادة تعريف العلاقة بين الأمن الأوروبي والالتزام الأمريكي. وعلى المستوى الدولي، سيحدد نجاح أو فشل الوساطة الأمريكية مدى قدرة واشنطن على استخدام القوة السياسية والدبلوماسية لإدارة النزاعات الكبرى في بيئة دولية تتزايد فيها أهمية التنافس بين مراكز القوة.
وعليه، فإن الاختبار الحقيقي للمرحلة الجديدة ليس ما إذا كانت المفاوضات قد عادت، فهذا أصبح واقعاً بالفعل، وإنما ما إذا كانت قد بدأت بتغيير حسابات الأطراف بشأن تكلفة الحرب وقيمة التسوية. فإذا حدث ذلك، يمكن النظر إلى التحرك الأمريكي باعتباره بداية انتقال من إدارة الصراع إلى تسويته؛ أما إذا لم يحدث، فإن عودة المفاوضات ستكون أقرب إلى إعادة تنظيم للصراع على المستوى الدبلوماسي، مع استمرار المنافسة على المكاسب النسبية في الميدان. ومن هذه الزاوية، فإن المرحلة المقبلة ينبغي مراقبتها باعتبارها صراعاً على شكل النظام الأمني الذي سيلي الحرب بقدر ما هي صراع على إنهاء الحرب نفسها.