ما بعد 30 أيلول 2026: حين تنسحب الجيوش وتبقى الدولة أمام امتحان السيادة
م. م. قحطان أحمد المساري
أمين سر الجمعية العراقية للعلوم السياسية
لم يكن يوم الثلاثين من أيلول/سبتمبر 2026 مجرد تاريخ أمني في روزنامة العراق، ولا مجرد نهاية إجرائية لمهمة عسكرية دولية امتدت لأكثر من عقد في مواجهة تنظيم داعش. إنه تاريخ يتجاوز معنى الانسحاب العسكري إلى سؤال أعمق: هل دخل العراق فعلاً مرحلة السيادة المكتملة، أم انتقل من اختبار الوجود الأجنبي إلى اختبار الدولة ذاتها؟
فقد أعلنت الولايات المتحدة اكتمال سحب قواتها من العراق وإنهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي، ضمن مسار متفق عليه سابقاً بين بغداد وواشنطن، فيما أكدت وزارة الدفاع البريطانية أن مهمة التحالف الدولي العسكرية في العراق قد اختتمت، وأن القوات العراقية والبيشمركة باتت تتحملان المسؤولية الأساسية عن أمن البلاد. هذه اللحظة، بما تحمله من رمزية سيادية، تستدعي قراءة هادئة لا تكتفي بالاحتفال بخروج القوات، ولا تقع في تهويل الفراغ، بل تسأل عن جوهر الدولة: من يحتكر السلاح؟ من يصنع القرار الخارجي؟ ومن يملأ المساحة التي كان يشغلها العامل الدولي؟
إن السيادة، في معناها القانوني الكلاسيكي، تعني استقلال الدولة في قرارها الخارجي وسلطتها العليا داخل إقليمها. لكنها في التجارب التاريخية المعاصرة لم تعد مفهوماً شكلياً يقاس براية مرفوعة أو مقعد في الأمم المتحدة أو خروج قوة أجنبية من قاعدة عسكرية. السيادة الفعلية تقاس بقدرة الدولة على احتكار العنف الشرعي، وضبط حدودها، وإدارة اقتصادها، وتوحيد قرارها الدبلوماسي، ومنع القوى الداخلية من التحول إلى قنوات موازية للخارج. وبهذا المعنى، فإن ما بعد 30 أيلول ليس نهاية سؤال السيادة في العراق، بل بدايته الأكثر صعوبة.
لقد عرف العراق قبل هذه اللحظة تجارب مشابهة في الشكل ومختلفة في المآلات. ففي عام 2011 غادرت القوات الأمريكية العراق، غير أن الفراغ الأمني والسياسي، وتفكك الثقة بين الدولة والمجتمع، وتراجع كفاءة المؤسسات الأمنية، أسهمت لاحقاً في خلق بيئة سمحت بصعود داعش عام 2014 وعودة التدخل العسكري الدولي من باب مكافحة الإرهاب. ولذلك فإن الدرس التاريخي واضح: الانسحاب لا يصنع الدولة تلقائياً، كما أن الوجود الأجنبي لا يعوّض عجز الدولة إلى الأبد. السيادة تحتاج إلى مؤسسات، لا إلى شعارات فقط.
ومن هنا، فإن الفرق بين 2011 و2026 يجب ألا يكون في شكل الانسحاب، بل في قدرة الدولة العراقية على قراءة الدرس. ففي عام 2011 خرجت القوات الأجنبية بينما كانت الدولة تعاني هشاشة داخلية عميقة. أما في 2026، فإن السؤال هو: هل أصبحت الدولة أكثر قدرة على منع تكرار الفراغ؟ وهل تستطيع تحويل نهاية مهمة التحالف إلى بداية عقد وطني جديد يقوم على حصر السلاح، وترسيخ الثقة بالمؤسسة العسكرية، وإعادة تعريف العلاقة مع الخارج من موقع الدولة لا من موقع المحاور؟
إن أخطر ما قد يواجه العراق بعد 30 أيلول ليس عودة داعش بصيغته القديمة فقط، بل عودة منطق “الدولة المتعددة الرؤوس”: دولة رسمية تملك الدستور والعلم والاعتراف الدولي، ودولة فعلية تتحرك عبر قوى حزبية ومسلحة واقتصادية تمتلك قراراً موازياً في الأمن والسياسة والعلاقات الخارجية. فحين لا يكون السلاح بيد الدولة وحدها، تصبح السيادة الداخلية منقوصة، وحين تتعدد قنوات العلاقة مع الخارج خارج وزارة الخارجية والحكومة، تصبح السيادة الخارجية قابلة للاختراق.
لذلك لا يكفي أن يقال إن القوات الأجنبية غادرت العراق، بل يجب أن يُسأل: ماذا بقي بعدها؟ تشير تقارير أمريكية وبريطانية إلى أن المهمة العسكرية للتحالف انتهت، لكنها تحولت إلى أشكال أخرى من التعاون الأمني، من بينها التدريب والدعم الاستخباري والعلاقات الثنائية. وهذا أمر طبيعي في العلاقات الدولية، إذ قلّما تنتهي الشراكات الأمنية دفعة واحدة. لكن الطبيعي يجب أن يبقى محكوماً بشفافية الدولة، ومصالحها العليا، وقرارها المؤسسي، لا باتفاقات مبهمة أو قنوات حزبية أو تفاهمات خارج النص الدستوري.
إن العراق، في لحظة ما بعد التحالف، أمام ثلاثة امتحانات كبرى.
الامتحان الأول هو احتكار السلاح. فلا يمكن بناء سيادة مكتملة في ظل ازدواجية العنف. الدولة التي تسمح بوجود سلاح خارج إطارها، أو تتسامح مع تشكيلات تأخذ قرارها الأمني من خارج القيادة الدستورية، تفقد بالتدريج جوهرها السيادي، حتى لو بقيت مؤسساتها قائمة. وقد أشارت تقارير حديثة إلى أن ملف نزع سلاح بعض الفصائل ما زال معقداً، وأن بعض القوى وافقت أو أبدت استعداداً مشروطاً، بينما رفضت أخرى أو ربطت الأمر بحسابات سياسية وأمنية أوسع. وهذا يعني أن الدولة العراقية لا تواجه بعد الانسحاب سؤال داعش وحده، بل تواجه سؤالاً أعمق: هل تستطيع أن تجعل السلاح وظيفة دستورية لا امتيازاً فئوياً؟
الامتحان الثاني هو وحدة القرار الخارجي. في الدول الطبيعية، السياسة الخارجية تُدار عبر مؤسسات الدولة: رئاسة الوزراء، وزارة الخارجية، مجلس النواب في حدود اختصاصه، والأجهزة الرسمية المخولة. أما حين تصبح الأحزاب قنوات تفاوض موازية مع واشنطن أو طهران أو أنقرة أو غيرها، فإن الدولة تتحول من فاعل واحد إلى ساحة تفاوض متعددة الأبواب. هنا لا يكون الخطر في اللقاء السياسي بذاته، بل في أن يتحول اللقاء إلى تعهد، والتواصل إلى تبعية، والعلاقة إلى قناة تأثير تتجاوز الدولة. إن الفرق كبير بين دبلوماسية حزبية معلنة لا ترتب التزاماً على العراق، وبين تفاوض سياسي أو أمني يمس القرار الوطني خارج التخويل الرسمي.
الامتحان الثالث هو السيادة الاقتصادية. فالعراق ليس بلداً فقيراً، لكنه بلد يملك اقتصاداً شديد الاعتماد على النفط، وشبكة مالية شديدة الحساسية للقرار الخارجي، ومنافذ طاقة وتجارة تتأثر بأي اضطراب إقليمي. وقد سلطت تقارير حديثة الضوء على استمرار النفوذ الأمريكي في بعض جوانب البنية المالية المرتبطة بعائدات النفط والدولار، وعلى أن النفط يشكل النسبة الغالبة من موازنة الدولة العراقية. وهذا يعني أن السيادة لا تكتمل بخروج الجندي الأجنبي إذا بقي القرار المالي والطاقة والمنافذ والسوق عرضة للاهتزاز الخارجي. السيادة اليوم ليست دبابة وحدوداً فقط، بل دولار، وميناء، ومصرف، وطاقة، وسلسلة إمداد.
في التجارب المقارنة، لا تكفي مغادرة القوات الأجنبية لإنتاج دولة قوية. أفغانستان بعد الانسحاب الأمريكي عام 2021 قدمت مثالاً صارخاً على أن الجيوش المدربة خارجياً لا تصمد إذا لم تكن الدولة قادرة على إنتاج شرعية داخلية متماسكة. وفي المقابل، استطاعت دول أخرى أن تحول خروج القوى الأجنبية إلى فرصة لبناء مؤسسات وطنية حين جعلت الجيش مؤسسة جامعة، والاقتصاد أداة استقلال، والسياسة الخارجية امتداداً لمصلحة الدولة لا لمصالح الأحزاب. الدرس ليس في رفض التعاون الدولي، بل في ضبطه. وليس في قطع العلاقات مع القوى الكبرى، بل في إدارتها من مركز وطني واحد.
العراق اليوم لا يحتاج إلى عزلة باسم السيادة، ولا إلى تبعية باسم الواقعية. يحتاج إلى معادلة رجل الدولة: التعاون مع الجميع، والارتهان لِلا أحد. فالعلاقة مع الولايات المتحدة يمكن أن تكون علاقة تدريب وتسليح واقتصاد وتكنولوجيا، لا علاقة وصاية. والعلاقة مع إيران يمكن أن تكون علاقة جوار وتجارة وأمن حدود، لا علاقة نفوذ يتجاوز الدولة. والعلاقة مع تركيا والخليج وسوريا والأردن يجب أن تندرج ضمن رؤية عراقية للمصالح، لا ضمن استقطابات المحاور.
إن ما بعد 30 أيلول يجب أن يكون بداية انتقال من “سيادة الخطاب” إلى “سيادة الأداء”. فليس المهم أن تعلن الدولة أن السيادة اكتملت، بل أن يلمس المواطن أن الدولة وحدها تحميه، وأن القانون أعلى من السلاح، وأن الحدود ليست ممراً للفوضى، وأن القرار الخارجي لا يصدر من غرف حزبية أو عواصم أخرى. السيادة التي لا يشعر بها المواطن في الأمن والخدمة والعدالة والاقتصاد تبقى سيادة بروتوكولية.
ومن زاوية سياسية مستقبلية، يمكن القول إن العراق يقف أمام ثلاثة سيناريوهات.
الأول: سيناريو الدولة القادرة، وفيه تستثمر الحكومة نهاية مهمة التحالف لإطلاق مشروع وطني لحصر السلاح، وإصلاح المؤسسة الأمنية، وتنظيم العلاقة مع واشنطن وطهران وأنقرة وفق قواعد واضحة، وتنويع الاقتصاد والمنافذ. هذا هو السيناريو الذي يحول الانسحاب إلى فرصة تاريخية.
الثاني: سيناريو الدولة الرمزية، وفيه يُحتفل بالانسحاب، لكن تبقى موازين القوة الداخلية كما هي: سلاح متعدد، قرار خارجي مشتت، اقتصاد هش، ومؤسسات عاجزة عن فرض القانون. في هذا السيناريو تصبح السيادة شعاراً سياسياً لا واقعاً مؤسسياً.
الثالث: سيناريو الفراغ الناعم، وهو الأخطر؛ إذ لا تنهار الدولة دفعة واحدة، لكنها تتآكل تدريجياً عبر تعدد مراكز القرار، وتوسع نفوذ القوى المسلحة غير المنضبطة ، وتراجع هيبة القانون، وعودة الخلايا الإرهابية أو العصابات الاقتصادية إلى استثمار مناطق الهشاشة.
إن رجل الدولة لا يقيس النجاح بعبارة “خرجوا”، بل بسؤال: “ماذا بنينا بعد خروجهم؟”. فإن لم تُبنَ الدولة بعد الانسحاب، سيعود الخارج بأشكال أخرى: مالاً، نفوذاً، استخبارات، وسطاء، أو اتفاقات اضطرارية. أما إذا نجحت الدولة في ملء الفراغ، فإن 30 أيلول سيصبح لحظة تأسيس لا لحظة فراغ.
لقد غادر التحالف الدولي العراق عسكرياً، لكن امتحان العراق لم يغادر. بل ربما بدأ الآن. فالسيادة ليست حدثاً ينتهي في يوم، بل مسار طويل يبدأ عندما تقرر الدولة أن تكون المرجعية الوحيدة للسلاح، والقرار، والحدود، والعلاقات الخارجية. وإذا كان خروج القوات الأجنبية يستحق أن يُقرأ كمنجز سيادي، فإن المنجز الأكبر سيكون يوم تستطيع الدولة العراقية أن تقول: لا سلاح خارج القانون، لا تفاوض خارج المؤسسات، لا ولاء فوق الوطن، ولا سيادة بلا دولة.
الخاتمة
ما بعد 30 أيلول 2026 ليس زمناً للاطمئنان السهل، ولا للخوف المبالغ فيه. إنه زمن الاختبار. فقد انتهت مهمة التحالف، لكن مهمة الدولة بدأت. وإذا أراد العراق أن يجعل من الانسحاب نقطة تحول تاريخية، فعليه أن ينتقل من سيادة التحرر من الخارج إلى سيادة التنظيم في الداخل. فالدولة لا تكتمل حين يغادر الآخرون فقط، بل حين تعود هي إلى نفسها: قراراً واحداً، وسلاحاً واحداً، ومصلحة وطنية واحدة.