هل يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية الوجود الاستراتيجي أم إعادة تشكيله في إطار نفوذ جديد؟
تحليل
هل يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق نهاية الوجود الاستراتيجي أم إعادة تشكيله في إطار نفوذ جديد؟
الباحث: كرار مجيد حميد
عضو الهياة العامة للجمعية العراقية للعلوم السياسية
من الممكن ان يمثل الانسحاب الأمريكي من العراق في ظل التغيرات التي شهدتها البيئة الإقليمية كافياً وحده للقول بانتهاء الوجود الاستراتيجي الأمريكي إذ إن الفرق جوهري بين انتهاء الانتشار العسكري المباشر وبين انتهاء القدرة على التأثير الاستراتيجي.
فالقواعد العسكرية كانت إحدى الأدوات الفعالة للسياسة الأمريكية لكنها لم تكن الأداة الوحيدة ولذلك فإن تراجع الاعتماد عليها يمكن أن يعكس تحولاً في طريقة إدارة المصالح أكثر مما يعكس بالضرورة تراجعاً شاملاً في الاهتمام الأمريكي بالعراق والمنطقة.
ومن منظور الواقعية السياسية فإن الدول الكبرى تعيد توزيع مواردها العسكرية عندما تتغير كلفة الانتشار وطبيعة التهديدات اما في حالة العراق فإن تطور الصواريخ والطائرات المسيّرة وتصاعد مخاطر استهداف القواعد وخطوط الإمداد يجعل الوجود العسكري الثابت أكثر كلفة ومخاطرة ومن ثم يمكن أن تتجه الولايات المتحدة الأمريكية إلى نموذج أكثر مرونة يقوم على القدرات بعيدة المدى والاستخبارات والتعاون الأمني والشراكات الإقليمية بدلاً من الاعتماد الكثيف على القواعد العسكرية البرية.
وهنا تبرز فكرة الموازنة من خارج المنطقة (Offshore Balancing) وخصوصا ان هنالك تجربه سابقه لهذه الفكرة قد طبقت في افغانستان عام 2021
التي ناقشها عدد من منظري الاستراتيجية الأمريكية ومن أبرزهم جون ميرشايمر وستيفن والت إذ تقضي أن الولايات المتحدة الأمريكية تستطيع المحافظة على مصالحها وتوازن القوى الإقليمي دون الحاجة إلى انتشار بري دائم واسع ( دون قواعد عسكرية)
مع الاحتفاظ بالقدرة على التدخل عندما تتعرض مصالحها أو توازن القوى لتهديد جوهري يمس امن مصالحها في المنطقة.
وعليه من غير الممكن تفسير الانسحاب الأمريكي من العراق بوصفه نهايةً للوجود الاستراتيجي الأمريكي كما لا يمكن اعتباره استمراراً للوجود السابق بالصيغة ذاتها
وإنما يمكن النظر إليه بوصفه تحولاً في طبيعة هذا الوجود وأدواته إذ قد تتراجع أهمية القواعد العسكرية الثابتة بوصفها الأداة الرئيسة للانتشار مقابل تنامي الاعتماد على أدوات أكثر مرونة تشمل النفوذ السياسي والأمني والاستخباري والشراكات العسكرية والإقليمية اضافة عن القدرات بعيدة المدى بما يتيح للولايات المتحدة الأمريكية الحفاظ على جزء من قدرتها على التأثير في البيئة الإقليمية دون الحاجة إلى نمط الانتشار العسكري المباشر الذي ساد خلال المراحل السابقة
أما على المستوى الإقليمي
فإن أهمية هذا التحول تكمن في تأثيره في توازن القوى فكل تقليص في الوجود العسكري الأمريكي يغير حسابات القوى الأخرى ولا سيما إيران وحلفائها الإقليميين كما يدفع العراق نفسه إلى إعادة تعريف موقعه بين القوى المتنافسة لكن ذلك لا يعني بصورة تلقائية انتقال النفوذ إلى طرف آخر لأن موازين القوة لا تحددها القواعد العسكرية وحدها وإنما تتداخل فيها القدرات الاقتصادية والسياسية والعسكرية والشراكات الدولية.
خلاصة القول :
إن الانسحاب الأمريكي من العراق يمثل تحولاً في شكل القوة او محاولة إظهار نمط جديد أكثر من كونه نهايةً للوظيفة الاستراتيجية والسؤال الحاسم بالنسبة للمرحلة المقبلة:
هل غادرت القوات الأمريكية؟ وإنما: ما الأدوات التي ستحل محل القاعدة العسكرية في إدارة النفوذ والتأثير؟