الربيع الأوروبي انتفاضة الجيل Z في مواجهة انسداد النموذج النيوليبرالي
الربيع الأوروبي انتفاضة "الجيل Z" في مواجهة انسداد النموذج النيوليبرالي

م.د سيف ضياء دعير
عضو الهيئة الإدارية للجمعية العراقية للعلوم السياسية

يشهد الفضاء الأوروبي اليوم تحولاً بنيوياً عميقاً، لا يمكن اختزاله في منطق الاحتجاج الظرفي أو في دورة المظاهرات المطلبية الموسمية. إننا أمام حراك اجتماعي مكتمل الأركان، تتبلور ملامحه تحت مسمى "الربيع الأوروبي"؛هذه اللحظة ليست امتداداً لأزمات سابقة، بل هي لحظة انكشاف كبرى، لحظة يتفجر فيها التناقض التاريخي الصارخ بين متطلبات إعادة التسلح الجيوسياسي وبين تآكل العقد الاجتماعي الذي قام عليه الاستقرار الأوروبي لسبعة عقود؛ يقود هذا المخاض جيل جديد هو الجيل Z، جيل (رقمي التنظيم، عابر للحدود، مدعوماً بالكتل العمالية الحية والنقابات التاريخية وإرث الحركات الاجتماعية الراديكالية)، وما يمنح هذا الحراك قوته الفارقة ليس وجود غرفة عمليات مركزية موحدة، بل على العكس تماماً: كونه استجابة عفوية، متزامنة، وذكية لانسداد الأفق الاقتصادي وانهيار وعود الحراك الاجتماعي الصاعد؛ وكما يلي:
أولاً: جغرافيا الغضب - ثمانية مختبرات للأزمة الأوروبية.
لم يعد الغضب محصوراً في الأطراف، بل بات يضرب قلب المركز الأوروبي وينتشر على طول خطوط الصدع البنيوي للقارة:
1. فرنسا  (الشرارة الراديكالية وقلب الأزمة):
فرنسا هي المختبر المركزي للربيع الأوروبي؛ إذ ينطلق الحراك من الجامعات والمدارس الثانوية ليلتحم عضوياً مع النقابات العمالية العابرة للقطاعات وإرث حركة السترات الصفراء، جوهر المعركة هنا هو الدفاع عن الطبقة الوسطى التي تُسحق بين مطرقة التضخم الهيكلي وسندان خطة حكومية لخفض عجز الموازنة بنحو 54 مليار يورو، عبر تجميد الأجور وتقليص المكتسبات الاجتماعية وتدمير شروط البيئة التعليمية.
2. إيطاليا (صراع الرفاه مقابل الأمن):
يرفع الحراك الطلابي الإيطالي معادلة حادة ومباشرة تتلخص في "لا لتحويل موازنات الرفاه والتعليم إلى الإنفاق العسكري"، الاحتجاج يكشف تناقضاً فجاً بين الانهيار المادي للبنية التحتية التعليمية والجامعية، وبين الخطاب الرسمي حول ضرورات الدفاع وعسكرة الميزانية لتلبية التزامات حلف الناتو.
3. بلجيكا (الاحتجاج في قلب العاصمة الرمزية):
للتظاهر في بروكسل دلالة مضاعفة، فهي ليست عاصمة بلجيكا فحسب، بل عاصمة الاتحاد الأوروبي ومركز القرار البيروقراطي؛ إذ تتحرك النقابات والكتل الشبابية ضد سياسات التقشف المفروضة تحت ذريعة الأزمات الجيوسياسية، وضد أي إصلاحات تمس مجانية وديمقراطية التعليم العالي وتزيد الأعباء على الأسر.
 4. إسبانيا (أزمة النموذج وتآكل المعيشة):
تنضم مدريد وبرشلونة بقوة إلى خريطة الغضب، فإسبانيا التي عاشت انفجار حركة 15-M، إذ تشهد اليوم تحالفاً جديداً بين الحركة الطلابية ونقابات الإسكان ضد قانون الإيجارات وفشل الدولة في كبح جماح المضاربة، المعركة هنا تربط بشكل مباشر بين أزمة السكن، وتآكل الأجور، وهشاشة عقود العمل للجيل الجديد.
5. البرتغال (أزمة السكن كقضية عدالة جيلية ):
تحولت لشبونة إلى أيقونة لأزمة جيلية بامتياز، انفجار أسعار العقار الذي تضاعف بشكل جنوني منذ عام 2017 نتيجة المضاربات وسياسات التمليك السياحي وتأشيرات الإقامة الذهبية، حوّل حق السكن من حق أساسي إلى امتياز مستحيل، المعركة هنا ليست مطلبية، بل وجودية.
6. بريطانيا (ما بعد البريكست وانهيار عقد الرفاه):
تقدم لندن النموذج الأنجلو-ساكسوني للأزمة، بعد البريكست، انفجرت أزمة تكاليف المعيشة، وشهدت البلاد أكبر موجة إضرابات منذ عقود يقودها عمال السكك الحديدية والتمريض والمعلمون، الجامعات البريطانية تتحول إلى ساحة مواجهة ضد خصخصة التعليم وارتفاع الديون الطلابية إلى مستويات غير مسبوقة.
7. كرواتيا (غضب الأطراف الجديدة):
في زغرب، يتخذ الحراك شكل رفض لتبعات الاندماج غير المتكافئ في الاتحاد الأوروبي ومنطقة اليورو، حيث  التضخم المستورد وغلاء المعيشة وهجرة الشباب الماهرة نحو الغرب، كلها عوامل فجرت احتجاجات طلابية ونقابية ترفض أن تدفع الأطراف فاتورة استقرار المركز.
8. ألبانيا ( انتفاضة الهامش ضد المركز):
تقدم تيرانا النموذج الأكثر جذرية لاحتجاجات الأطراف، هو رفض شامل لمنظومة غارقة في الفساد والتهميش الاقتصادي المزمن، حيث البطالة المقنعة ونقص الوظائف الماهرة وفشل إعادة توجيه الموارد نحو التعليم والخدمات الأساسية، إذ إنها انتفاضة ضد تهميش التنمية البشرية لصالح نخب حاكمة.
ثانياً: التشريح البنيوي للأزمة.. عندما يبتلع السلاحُ المدرسةَ. 
لا يمكن فهم هذا الانفجار دون مقاربة هيكلية تفكك فجوة التخصيص المالي؛ وهنا يكتسب التحليل ثقله العلمي عند تفكيك البيانات المقارنة الصادرة عن معهد ستوكهولم الدولي لأبحاث السلام (SIPRI) ووكالة الدفاع الأوروبية والتقارير الموازناتية الوطنية:
إذ تتجلى بوضوح معالم الفجوة الهيكلية بين اندفاعة التسلح وحجم التراجع في قطاعات التنمية؛ ففي فرنسا: تم تقليص حصة التعليم من الناتج المحلي الإجمالي لتستقر عند 5.1%، بالتزامن مع خطط التقشف؛ وتزداد المفارقة قتامة في إيطاليا: حيث يسجل الإنفاق على التعليم أدنى المستويات الأوروبية بنسبة لا تتجاوز 4.0%، بينما تشهد الموازنات العسكرية صعوداً قياسياً؛ وفي بلجيكا: ورغم استقرار حصة التعليم ظاهرياً عند 6.3%، إلا أن ضغوط إعادة التسلح فرضت إصلاحات تقشفية تهدد ديمقراطية التعليم العالي، ويمتد الاختلال غرباً نحو إسبانيا: (4.2%) والبرتغال: (4.3%)، حيث يواجه الشباب أزمة سكن خانقة وتآكلاً للأجور، وتتجسد ذروته في بريطانيا: التي تشهد خصخصة متسارعة للتعليم، وفي كرواتيا وألبانيا: حيث تسجل مخصصات التعليم مستويات متدنية هيكلياً تعجز معها الدولة عن استيعاب طاقاتها الشبابية، إذ ان الخلاصة الرقمية واضحة لا لبس فيها( التنمية الاجتماعية والتعليم هما من يدفع فاتورة التحول الجيوسياسي العسكري للقارة) .
 
الخلاصة : ما بعد النيوليبرالية.. جيل لا يملك ما يخسره.
إن ما يجري في أوروبا ليس أزمة دورة اقتصادية عابرة يمكن احتواؤها بحزمة تحفيز مالي أو بمناورة سياسية؛ بل إنه سقوط نهائي للأقنعة الأيديولوجية التي غلفت المشروع النيوليبرالي لثلاثة عقود، والتي وعدت بالرخاء عبر الخصخصة وتقليص الدولة وتحرير السوق؛ إذ تجد النخب الحاكمة نفسها اليوم أمام معادلة جديدة ومقلقة للغاية، قوامها: جيل شاب، شديد الوعي، رقمي التنظيم، شبكي الحركة، وراديكالي في مطالبه لأنه ببساطة لا يملك ما يخسره.
هذا الجيل لا يدافع عن امتيازات قديمة، بل يطالب بحقوق أولية تأسيسية: تعليم لائق مجاني، سكن ميسور، وأجر عادل يضمن الكرامة؛ إذ إنه لا يطلب إصلاحاً تجميلياً لسياسات التقشف وعسكرة الاقتصاد، بل يفرض من الشارع مراجعة شاملة لشروط اللعبة السياسية ذاتها؛ إذ إن الربيع الأوروبي يعيد تعريف السلم الاجتماعي في أوروبا، ليس كغياب للاحتجاج، بل كوجود للعدالة، وهي العدالة التي لن تتحقق إلا بإعادة التوازن بين ميزانية الدبابة وميزانية الكتاب.
2026-10-18 11:26 PM 269